عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
31
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
جميع الزرع . فنظروا فإذا هو غيث بن قاسم الحكيمي هذا . فهي كرامة للشيخ الدكالي وكرامة للشيخ غيث ، إذ سمع قول الشيخ ، وبين سوسة والقيروان ستة وثلاثون ميلا « 1 » مع كونه عمل المسافة خطوة أو خطوتين . وبنى دارا خارج القيروان المختصر وسكنها بأهله ، وبنى المسجد المعروف بمسجد الشيخ ابن عبد الرحمن الحبلي ، وبنى الناس بجواره يمينا وشمالا حتى كثر الخلق بربضه ، وكان يذب عن أهله غاية الذب ، وإذا غلبه أمر استعان بغيره . فذكر الشّيخ أبو عبد اللّه محمد بن عثمان « 2 » : أنّ الشّيخ الصّالح أبا رحمة غيث هذا ، جاء إلى الشيخ أبي علي سالم القديدي بزاويته [ بقديد ] « 3 » ، فلما سلّم عليه قال له : ما جاء بك يا أبا حرمة غيث ؟ قال : يا سيدي أبا علي سالم ، الذئب يدخل الزّريبة وأنت في الحياة قال له : وما الأمر ؟ قال له : ابن عتيق تحلّف في الربض أن يهدمه « 4 » ! يكون هذا وأنت في الحياة ! وكان من قواعد أبي عبد اللّه المستنصر « 5 » باللّه « 6 » ، قال : لا تخف ما يجري بحمد اللّه إلا الخير والعافية ، فإن عوائد اللّه بنا جميلة سبحانه لا إله إلا هو ، استرح وأزل هذا التّعب من خاطرك . وكان ابن عثمان نزل تلك الليلة بمنزل الأجم في محلة كبيرة ، فبعث الشيخ له رجلين بعد صلاة العشاء الآخرة وقال لهما : قولا له يصل إليّ غدوة . فلمّا وصل إلى باب الزاوية نزل على ظهر جواده ومشى على قدميه حتى وصل إلى الشيخ وتمرّغ على قدميه وقال له : يا سيدي ما حاجتك ؟ ومعتقدك عامل على زيارتك ، فقال له : كيف تعمل على زيارتي وقلبك عامر بالمضرة للناس ؟ ثم إنك تتحلّف في أهل الربض ، وهذا الشيخ أبو رحمة بين أظهركم « 7 » ، فإن كنت تحبني فحبّه وأكرمه واترك ما خطر لك من ضرر الربض وغيره . فقال : نعم ما تأمرني به بالسمع « 8 » والطاعة . فلما رأى إكرامه بالشيخ غيث وقع على رجليه يقبلهما ، وعظمه لتعظيم الشيخ سالم له . فقدم الشيخ طعاما ،
--> ( 1 ) الميل يساوي - 1506 مترا . ( 2 ) انظر ترجمته رقم 359 . ( 3 ) سقط من : ت . ( 4 ) ت : يدمه . ( 5 ) ت : المنتصر . ( 6 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن يحيى بن عبد الواحد الهنتاتي نسبة إلى هنتاتة قبيلة من البربر بالغرب كان ملكا شديد البأس تملّك تونس سنة 647 ه . توفي سنة 675 ه . ترجم له في شذرات الذهب 5 / 349 . ( 7 ) في ت : أظهرهم . ( 8 ) ت : فالسمع .