عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
14
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
تأخذه « 1 » في اللّه لومة لائم ، ترك الدنيا من قدره رغبة « 2 » فيما عند اللّه عزّ وجل في الدار الآخرة . وكان لا ينام أكثر ليلة لشغله بصلاته وإقباله على مناجاة ربه ، مقتصدا في ملبسه ومطعمه ، يتصرف في حوائجه لنفسه ويتولاها بذاته ، مؤيّدا في أموره ، مميّزا لزمانه ، متحفّظا من أهله ، منقبضا على السلطان وأسبابه ، جاريا على سنن الشيوخ في جميع أحواله . وكانت له إجابات مشهورة ، وفضائل معروفة ، وأخبار مأثورة . حدثني [ من نثق به ] « 3 » جدّي عبد الملك بن عبد اللّه بن عوانة رحمه اللّه قال : كان بعض الولاة بالقيروان ممّن يتولّى الأشغال المخزنية ، سعى بي إلى الملك ونالني منه مكروه ، وعظمت إذايته ، وكثر ظلمه للناس « 4 » ، وامتدت يده إليهم ولسانه ، وجاهرهم بذلك ، وقدح في حرمتهم . فأجريت ذكره عند الشيخ أبي داود ، وأعلمته بحال ذلك الوالي وحال الناس معه ، واستباحته لأموالهم ، وضرب ظهورهم . فأطرق ساعة ثم قال لي : قد تحققت ما قلت ؟ [ قلت له : نعم ] « 5 » ، فبسط « 6 » كفيه وقال : اللهمّ عجّل عقوبته واكف المسلمين شرّه ، فأمّنت على دعائه . فلما أردت الانصراف قال لي : قد أهلك اللّه الفاجر وأراح المسلمين منه ، فلم يلبث بعد ذلك إلا قليلا وأخذ وثقف وضرب بالسياط إلى أن مات . وأخباره في إجابة الدعاء كثيرة ، وفضائله شهيرة . قلت : وحدثني من نثق به عن من حدّثه من الثّقات من تلامذة الشيخ أبي محمد عبد العزيز المهدوي بزاويته بتونس المعروفة في زمننا بدار أبينا عبد اللّه . وأنه بقي يخدمه سبع سنين من طحنه بيده وسقي الماء وغير ذلك . وعزم على الحج ، وخرج الشيخ يشيّعه فوصل معه لرادس « 7 » ، وأعطاه درهما وقال : اعمل هذا في
--> ( 1 ) في ت وط : لا تخذه . والصواب ما أثبتناه . ( 2 ) ت : زيادة كلمة « منه » أمام رغبة . ( 3 ) سقط من : ت . ( 4 ) ت : للقايد . ( 5 ) سقط من : ت . ( 6 ) ت : ثم بسط . ( 7 ) رادس : قال البكري : واسم مدينة تونس في الأول : ترشيش ، ويقال لبحرها بحر رادس ، وكذلك يسمّى مرساها مرسى رادس . المسالك والممالك 2 / 211 . وقال الحميري في كتابه الروض المعطار : مرسى رادس هو مرسى بحر تونس وهذا الاسم إما للمرسى أو للقرية المطلة عليه . ص : 265 . وفي كتاب وصف إفريقيا : إنها مدينة صغيرة بناها الرومان على ساحل البحر المتوسط قرب قناة حلق الوادي ، يسميها المغاربة « نابل » كانت قديما عامرة بالسكان ومتحضرة جدا 2 / 82 .