عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
15
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
جيبك ولا تطرد أحدا مما يأتيك ، وأنفق من الجيب . فكان يدخل يده لجيبه ويخرج الدّراهم . قال : وأتى إليه أخوان من زرزورة ، وهما محمد ، وعبد الحميد بعد الغداء ، فأمر أهل داره بعمل طعام لهما ، فقدمه لهما من غير إدام ، إذ لم يكن في الدار أحد « 1 » . وكان الكوز « 2 » معلقا فقالا : هلّا صبّ لنا نقطة على هذا المرق من الزيت الذي في « 3 » الكوز ؟ وإذا به وقع وتكسّر ، فبان أنه فارغ ، فقالا : انكسر الكوز ، فقال : المتهم إن لم يبرّأ « 4 » نفسه ما يزال « 5 » في التهمة . ثم « 6 » حضر العشاء بعد ذلك فتعشّا وناما ، فرأى أحدهما أنه تقدم يصلّي بالشيخ وقنديل على رأسه ، ورأى الآخر أن الشيخ عقد له وأومأ له إلى القبلة . فلما استيقظا أخبر كلّ منهما صاحبه بما رأى وقالا : إن كانت هذه رؤيا صادقة هو يعرفنا بها . فقال لهما : إنها رؤيا صادقة وأنتما دخلتما القيروان زوايا الشيوخ من تلمسان « 7 » إلى القيروان ، وقلتما : ما بقي أحد [ وأنا ما أنا ] « 8 » إلا غدير ، ومن تركتموه خلفكم بحرا . فمشيا إلى بلدهما فكانا شيخين ولم تزل تلامذتهما إلى الآن بذلك المكان . ويقال : إن الشيخ أبا محمد عبد العزيز المذكور دعا فقال : اسأل اللّه يا عبد السلام « 9 » أن يجعلك كالغيث حيثما حللت حلّت البركة . قلت : ووقعت بينه وبين الشيخ أبي محمد عبد السلام بن عبد الغالب المتقدم ذكره « 10 » منافسة . وكان لكلّ واحد منهما تلامذة فقال الشيخ أبو محمد يوما في نفسه : ما هذا الذي صنعت مع الشيخ أبي داود ؟ فدخل إلى زاويته وأمر أن تجمع أنعلة أهلها في حبل وعملها في عنقه ، ومشى وفقراؤه خلفه لدار أبي داود ليستغفروا اللّه تعالى في حقه . وأوقع اللّه تعالى في قلب « 11 » أبي داود مثل ذلك ، ففعل كفعل
--> ( 1 ) ت : شيء . ( 2 ) الكوز : هو الكوب إذا كان بعروة ، وإذا لم يكن له عروة فهو : كوب . لسان العرب . ( 3 ) ت : في هذا . ( 4 ) ط : يبدء . التصويب من : ت . ( 5 ) ت : يزول . ( 6 ) ت : وحضر . ( 7 ) تلمسان : مدينة جزائرية كبيرة ، ازدهرت في عهد المرابطين وأصبحت مركزا للعلوم الفقهية والكلامية ، كانت عاصمة بني عبد الواد في القرن 13 - 16 الميلادي . للمزيد معرفة عن هذه المدينة انظر وصف إفريقيا 2 / 17 - 24 . ( 8 ) سقط من المحقق 4 / 16 . ( 9 ) ت : الشيخ . ( 10 ) راجع ترجمته رقم : ( 332 ) . ( 11 ) في ط : قلبي .