عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
24
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قلت : وكثير ما يجري مثل هذا في مدة قضائي ؛ تضيق نفسي من لزوم الدار ، فربما أجلس فوق دكّانة العلو ، قريب باب الدار فأرى بعض من هو راكب ينزل ، وبعضهم يرجع ، وبعضهم يجوز على حاله وهو محتشم ، فأقوم من مكاني ذلك وأدخل الدار . قال أبو بكر المالكي : « قال أبو بكر بن اللّبّاد يوما لبعض أصحابه : أدركت رجالا بالقيروان املياء افتقروا ما دخلوا فتنا ولا أغرمهم سلطان « 1 » ، إلا اتجروا في الحنطة « 2 » في أيام الشدائد » « 3 » . قلت : يريد أنهم اشتروا الطعام في الرّخاء ليبيعوه في أيام الشّدائد ؛ وهذا مجرّب حتى في زماننا ، حتى أن النّاس يقولون على طريق المبالغة : « ما احتكر أحد طعاما إلا مات فقيرا » . وسببه أنه يتمنى غلاء الطعام الذي فيه حياة الأنفس لأمة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولذلك منعة مطرف ، وابن الماجشون وغيرهما ؛ وأجازه مالك في المدونة وعليه العمل قال أبو الحسن اللخمي : وفيه مرتفق وقت الشدائد ، ولولاه لم يجد الناس عيشا في الشّدّة ولو قيل : إنه مستحسن لم أعبه ، ولا خصوصية للحنطة ، وفي المسألة غير هذا وقد ذكرناه في شرح التهذيب « 4 » . قال : قال أبو الحسن علي بن عبد اللّه القطّان المعروف بابن الحلّاف ، اجتمعت إليّ جماعة في حانوتي بالقطّانين ، بعد وفاة والدي يقسمون قطنا بينهم . فنفضت الموضع الذي قسموا فيه القطن ، فاجتمع فيه من القطن نحو وزن أربعة دراهم ، فذهبت إلى أبي بكر محمد بن اللّبّاد فسألته ما الذي أصنع بالقطن ؟ فانتهرني وقال : يا هذا سل عن وضوئك وصلاتك ودينك ، فإن هذا وسواس ! قال أبو الحسن : فضاق صدري ولم أطق صبرا فغلبني البكاء والعبرة ، فوثب إلي وجذبني إلى نفسه ، وقبّل بين عيني وقال : أحسنت يا بني ما عرفتك ، فقد قيل : « حاسبوا أنفسكم
--> ( 1 ) في الرياض زيادة : « مالا ولكنهم » 2 / 292 . ( 2 ) لفظة : الحنطة لغة كوفيّة ، والقمح لغة شامية ، وأفصح كلمة منها هو لغة : « البرّ » فهي أفصح لغة من قال : « قمح أو حنطة » . وفي رواية قالت عائشة رضي اللّه عنها : « ما شبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من هذه البرّة السّمراء حتى فارق الدّنيا » . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه : « أترون إنّي لا أعرف رقيق العيش ؟ لباب البرّ بصغار المعزى » للمزيد انظر البيان والتبيين للجاحظ 1 / 17 - 18 . ( 3 ) الرياض : 2 / 292 . ( 4 ) المراد به شرح تهذيب المدونة للبراذعي حكى فيه عمل أهل بلاد تونس .