عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
25
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزن عليكم ، وتجهّزوا للعرض على الله : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ( 18 ) [ الحاقّة : 18 ] » . ثم أمرني بما أصنع في القطن ، وكان لا يتخلّف عن مسجد السّبت ، ولقد كان يصل إليه وهو يخوض في الطين والمطر ، ولقيه رجل وهو يخوض في الطّين متوجها إليه ، فسلّم عليه وقال : أصلحك اللّه في هذا الطين ؟ يعزّ على يحيى بن عمر لو رآك ! فقال له أبو بكر : ليس أنا غلام ابن عمر قال اللّه تعالى : وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 120 ) [ التوبة : 120 ] . وحضور هذا المسجد يغيظ بني عبيد ! قلت : وقد تقدم أن مسجد السبت الذي يسمّى عندنا بمسجد العربي لرجل يقال له : محمد العربي ، كان يقوم به ينشد فيه شعر بني معدان في الزّهد ، ويقرأ في فيه آيات من كتاب اللّه تعالى وحكايات وهو الذي يسمّى عندنا اليوم الرقائق ، فكان جميع المشيخة يبيحون حضوره ويحضره من يحضره معهم من الصّالحين والزّهّاد ، وأهل الخير من يوم السبت إلى يوم السبت إلا ثلاثة : يحيى بن عمر في زمانه ، فكان لا يحضره وألّف تأليفا في عدم حضوره ، لكونه يرى ذلك بدعة وإلى هذا أشار القائل يعز على يحيى بن عمر لو رآك ، وكان شيخه المعنى وأنت تتكلف هذا وكذلك القابسي وأبو عمران في زمانهما ، ولما كان هذا المسجد يحضره الجم الغفير من العلماء والصالحين ، كان حضورهم يغيظ بني عبيد ، لأنهم يخافون من اجتماعهم أن يتفقوا على القيام عليهم ، فلهذا أجاب الشيخ بالآية . قال : وكانت له امرأة سليطة « 1 » تؤذيه بلسانها ويقاسي منها أمرا عظيما ، فقال له الطّلبة : طلّقها ونحن نؤدّي « 2 » صداقها ؟ فقال لهم : إنما حفظتها من أجل والدها وذلك أني خطبت إلى جماعة من النّاس فردّوني وقالوا لي : لا نزوّج صاحب محبرة وقلم ، ثم خطبت إلى أبي هذه فزوجني ابنته للّه عزّ وجل ، وكان يفعل معي جميلا ويرفقني بما قدر عليه ، أفتكون مكافأتي طلاق ابنته ؟ وقيل له في ذلك أيضا قال : أخشى إن طلّقتها أن يبتلى بها مسلم ولعل اللّه عزّ وجل دفع عني بمقاساتها بلاء عظيما . وكان يقول : كل مؤمن له محنة وهذه محنتي .
--> ( 1 ) سليطة اللسان : حادة اللسان . ( 2 ) في الرياض : نؤدي « عنك » 2 / 285 .