عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
222
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
أرادت أن آكل من هذا الطعام ، ويعقوب أيضا يريد من يأكل معه ، ثم نقر بأصبعه إلى الأرض وقال : يا بركة ، ثم نقر ثانية وقال : يا بركة ، ثم نقر ثالثة يا بركة تأتي لدار الواعظ ، فما كان إلا قليلا حتى قرع الباب ، ودخلت علينا بركة ، وكانت عجوزا صالحة فقال لها الشيخ : أما سمعت من أول مرة فقالت : يا سيدي سمعت الأولى ، والثانية ، ولم أعرف إلى أين آتي ، إلى أن سمعت في الثالثة دار الواعظ فجئت ، ثم أمر بتقديم الطعام ، فلما رأته قالت : يا سيدي لي مدة أشتهي هذا الطعام بعينه ، فقال : نعم ، كلي ، هكذا أردنا . وحدثني الحاج أبو بكر بن سليمان المعروف بابن القابلة قال : حججت سنة 624 فبينما أنا بالحرم ، وإذا بشيخ فسألني عن بلدي ؟ فأخبرته أني من القيروان ، فقال لي : من ترك الشيخ أبو يوسف في مكانه ؟ فقلت له : نظنّ في ولده إبراهيم خيرا وهو الآن في هذا المركب ، فقال لي : صدقت ، ما ثمّ في أولاده إلا هو ، ثم قال : يا ولدي كنتم عميانا عنه ، فما عرفتموه حتى مات ، كان يصلّي المغرب عندكم بالقيروان ، والعشاء عندنا بمكة ، ويوم مات صلّينا عليه بالحرم ! وأقمت بعد ذلك بمكة ثلاثة أشهر فما رأيت ذلك الشيخ من تلك الساعة ولا سمعت له خبرا وأظنه من الأبدال . وحدثني جماعة من الفقراء ؛ أن الشّيخ مرّ يوما بقصر الكنائس فوصلوا إليه يسلمون عليه ، ويشكون ما أصابهم من القحط والجذب وضعف أحوال الناس والبهائم ، فرقّ الشّيخ لشكواهم حتى بكى رحمة لهم ، وشفقة عليهم . وجرت دموعه ، قال : فأغاثهم اللّه تعالى بالمطر الوابل ، فقال الشيخ عند ذلك : « للّه رجال إذا بكوا بكت السّماء لبكائهم موافقة لهم » . وحدثني أبو علي فضل الصفاقسي قال : عطشت ليلة عطشا شديدا ، ولم أجد ماء ، ولم أطق صبرا ، فأخذت الإناء ومددت يدي ، وقلت : يا رب بحرمة سيدي أبي يوسف إلا ما أسقيتني السّاعة والسماء مصحية ، والنجوم تزهر ، ويدي ممدودة بالإناء ثم غلب علي غالب حال غيبني عن حسّي ، فما أدخلت يدي إلا وقيض اللّه بمطر غزير في الوقت ، فوجدت الماجل قد امتلأ حتى رفع الغطاء . وحدثني أبو زكرياء يحيى بن وتران المزاتي ، قال : أخبرني محمد بن سلطان القلاني ، قال : كان رجل من العرب يقال له : أبو عتور ، وكان كثير الفساد ، والإذاية