عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
219
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
في منزلي ، قالت فبقيت متعجبة لكشفه ما خوطبت به في بلدي في منامي ومخاطبته لي باسمي من غير سابق معرفة ، فدخلت الدار فوجدت بها زوجه أم يوسف ولم يكن عنده إذ ذاك غيرها ، ووجدت الشيخ أبا زكرياء عنده في خدمته وحسبك ما خاطبك به أول ما رآك وكاشفك بما رأيته في المنام ، وعن السؤال أغناك ، فقالت : فألزمت نفسي لطاعته من ذلك الزمان إلى الآن ، وكان عندها للشيخ أبي يوسف زيادة تعظيم ، وهيبة ، واحترام ، لا ينحصر طول حياته وبعد مماته ، وكان لها قرب التسعين أو الثمانين ، فكانت لا تجلس دون لحاف ولا تستطيع رفع الكلام عنده ولا النظر إليه ، ولا تقرب منه هيبة واحتراما . ومرض الشيخ أبو يوسف مرضا شديدا حتى نقل أنّه قد مات ، فلما بلغ إليها الخبر ، دهشت وأقعدت وسكنت دهرا لا تستطيع القيام ، فلما برئ الشيخ من ذلك المرض وهو الذي قال فيه : بشّرت بولدين يزدادان لي وأعيش اثني عشر عاما فكان كذلك . فلما سمع الشيخ بخبرها سافر سفرة ، فلما قرب من موضعها قال : لا يخبرها أحد بي ، حتى أدخل المنزل ، فلما دخل قيل لها : الشيخ طالع إليك ! فقامت من زمانتها في ساعتها وتلقته خارج باب البيت ، وقالت : يا شيخ قيل لي : إنك ميّت فدخلت علي حسرة ، فقال لها : يا مريم ولا شيء يحيي ويميت [ إلا اللّه ] « * » فكان لها في الشيخ قصد عظيم ، ونية حسنة ، واتحاد محبة وفراسة . وقال بعضهم : نزل الشيخ عندنا مرّة بالقصر ، وكنت بالقصر الآخر ، فسرت إليه وقلت في نفسي : تمنّيت لو أطعمني الشيخ ثلاث لقم بيده في فمي ! فلما دخلت عليه وجدته في جماعة يتناولون طعاما ، والمرابطة مريم جالسة ، فلما رأتني قالت للشيخ : ادفع لصاحب الأمنية ما طلب ، فأعطاني ثلاث لقم كما خطر في سري ، فتعجبت من مطابقتهما في ذلك رضي اللّه عنهما . ومن كراماتها « 1 » حدث به بعضهم قال : كنا ليلة عند المرابطة في البيت ، فضربت بيدها ، فبقينا ننظر فقالت : محمد البرزلي أتى إليّ من قصر زياد والأسد بالجابية أخشى أن يروّعه ! وإلا ما يرى منه بأسا ! ثم سكتت ساعة وقالت : قوموا
--> ( * ) زيادة من الكتاب المحقق ليتم السياق ويصح المعنى وهو ساقط من : ط وت . ( 1 ) في ط : ومن كرامتهما ، والصواب ما أثبتناه من : ت .