عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
206
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قلت : يحمله على أنه كان إماما بخلاف غيره . قال : وكنت إذا نظرت إليه وإلى أحواله ، كأنك تنظر إلى زهّاد التّابعين ، لا يكاد يفتر لسانه من ذكر ، أو قراءة قرآن ، أو تعليم علم ، أو أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، ولا يصنع شيئا من الأشياء إلا وهو ذاكر للّه تعالى ، طلب العلم واجتهد وسمع الحديث ورواه ، [ تدبر القيروان ] « 1 » إلى أن مات بها ، وكان من شدة تواضعه يسلم على الصبيان والإماء ، ويبدأ كل من لقيه بالسلام ، وكان كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ولا يهاب أحدا في حق يقوله ، ولا يترك شيئا مما يجب عليه فعله ، أو يندب إليه من أجل أحد ، وكان يأمر الصبيان بإماطة الأذى عن الطريق ، وكان كثير الإشفاق في أمور الآخرة ، غافلا عن أمور الدنيا ، مخشوشنا في طعامه ولباسه ، لا يأكل إلا الشعير ، ولا يلبس إلا الخشن من الثياب . وأما ورعه فكثير ؛ كان يناقش نفسه في حبّة شعير إذا سقطت في طعامه حتى يخرجها ، وكان يسير إلى منزله في الشرف فيحمل منه المباحات على ظهره فيتقوت بها ، وكان كثير الصيام ، فربما أفطر على عشب ينبت في الجامع ، ولقد كان انهرش له حائط في داره فمنعه الورع أن يرفعه من الأجر المنقول من خراب القيروان ، وقال : لعل بعض أهله أو كلهم في الحياة ، وكان مجاب الدعاء ، وله كرامات كثيرة ، منها ما أخبرنا به أبو عمران موسى بن عبد اللّه ، بن محمد بن هارون القرشي ، قال : أخبرني أبي عن جدّي ، عن محمد بن هارون ، وكان مؤذنا بجامع عقبة ، قال : فتحت الصومعة لأذان الصبح فوجدت بها شيخا يصلي ، فلما سمع حسي خفّف في صلاته ، ثم صعد إلى أعلى الصومعة فتبعته لأني كنت أغلقتها من الليل وليس بها أحد ، فلما قربت منه مشى على الهواء فقلت له : باللّه من تكون ؟ وكررت القسم عليه ، قال : أنا يحيى بن عوانة ، فاكتم عني ، فلما أذنت نزلت فوجدته قائما يصلي عند المحراب ، وأخبرني غير واحد أن الأبدال كانوا يأتونه فيخرج معهم إلى خارج البلد فقيل ذلك لوالي القيروان أبي الربيع سليمان بن سعيد ، فأمر من يرصدهم إذا اجتمعوا به ، فأعلموه باجتماعهم ، فخرج إليهم فلما قرب منهم حجبوا عنه وعن المتوكلين بهم ، فجعلوا يطوفون بهم ويقولون هنا كانوا .
--> ( 1 ) كذا في الأصل ، لأن كلمة « التدبر » بعيدة عن السياق . وفي ت مكان المعقوفتين ورد كلمة : « القرآن » .