عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

207

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

وحكى : الشيخ أبو سعيد خلف ابن أبي شيخ قال : أوصاني أبي عند موته أن أتولى الصلاة عليه ، فقلت : نعم ، فلما حضرت جنازته نظرت إلى الناس فإذا فيهم الشيخ أبو زكرياء يحيى بن عوانة فقلت له : يا سيدي تقدم فصلّ على أبي ، فقال : لا ! أدّ الأمانة فتقدمت وصليت عليه ، وأخبرني بعض شيوخ القيروان ، قال : تخلف لنا ثور من البقر لم يصحب البقر في المرعى فصليت صلاة الصبح وراء الفقيه أبي زكرياء ، وأتيت إلى باب البلد ففتح لي وركضت فرسي إلى مكان المرعى فوجدت أبا زكرياء يصلّي . فقال لي : ما تريد ؟ فأخبرته ، فأشار إلى مكان فوجدت الثور فيه . وأخبرني الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن ثابت الصقلي ، عمن حدثه من الثقات ، عن الفقيه أبي زكرياء ، قال : خلوت يوما في الجامع ، وأغلقت على نفسي جميع أبوابه ، وجعلت أتفكر في أمر فإذا برجل خرج من حائط الصومعة فتبعته وعلمت أنه وليّ للّه فقال لي : يا أبا زكرياء رأيتك وأنت تفكر في كذا ، وكذا ، فقلت له : ادع لي ، فأخذ يدعو إليّ فالتفت فلم أره وما أدري حيث ذهب ، انتفع الناس بعلمه وإرشاده ، توفي في غرة رمضان سنة تسع وسبعين وخمسمائة ودفن بباب سلم وقبره معروف . قلت : قال العواني وكان أبو عبد اللّه محمد والد أبي زكرياء يحيى هذا رجلا صالحا ، متعبدا ، ورعا ، مجتهدا ، مخشوشنا في طعامه ولباسه ، متحيّزا عن الناس ، معتكفا على قراءة كتب المواعظ ، والرقائق ، وأخبار الصالحين ، حتى يكاد أنه صرف كل وقته في ذلك ، فرأى في منامه كأن قائلا يقول له : اشتغلت بكلام المخلوقين عن كلام الخالق ، فانتبه مذعورا فقال : للّه علي أن لا أترك تلاوة القرآن ليلا ولا نهارا ما حييت ، فعكف على تلاوة القرآن عما كان بسبيله من قراءة كتب الرقائق وألزم تلاوة القرآن ، والنّسك ، والعبادة ، إلى أن توفي وكان محبوبا لم يختلف اثنان في فضله ، وكان الناس يتبرّكون بلقائه ويقولون : إنه كان مجاب الدعوة ، أخبرني بذلك كله جدّي عبد الملك ، عن الشيخ العابد أبي يوسف الدهماني ، قال : أخبرني بذلك شيخي الفقيه أبو زكرياء يحيى بن محمد بن عوانة أن والده رأى هذه الرؤيا المذكورة ، ويقال : إنه توفي سنة إحدى وخمسين وخمسمائة رحمه اللّه تعالى . 324 - ومنهم أبو الحجاج يوسف بن حسون المقري رحمه اللّه : قال : كان من أهل العبادة ، والزّهد ، والنّسك ، والصلاح ، والتهجد ، والصيام ؛ وكان هجيراه أحياء المساجد الخراب ، وعمارتها بالصلاة والذكر ، وزيارة