عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

186

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

عدمت منها ، فأتوا إلى الشيخ أبي القاسم السيوري وعرّفوه ، فأملاها عليهم من رأسه ، ثم وجدت نسخة بالقيروان فقابلوا ما أملى عليهم الشيخ بها فوجدتا سواء . قال : وكان مع ذلك عاقلا معلوما بالدين ، والورع ، والفضل ، وبلغ من ورعه أنه لما اختلطت أموال الناس بالفتنة ، امتنع من أكل اللّحوم ، فكان لا يأكل منها إلا ما تحقق طيب كسبه ، وكان لا يلبس الفرو ، ولا النّعال ، ولا الخفاف ، إلا من جلود الوحش ، ولا يكتب جواب مسألة ، ولا غير ذلك إلا في رقّ قديم ، أو ما كان من جلود الوحش ، وكان مع ذلك شديد الورع في كل ما يحاوله . قلت : قال عياض : « وله تعليق على نكت من المدونة أخذه عنه صحابه » « 1 » . يريد واللّه أعلم أنه لم يؤلفه ، وإنما أصحابه قيدوا عنه ذلك مما يسمعونه منه في درسه ، لقول المازري في تعليقه على المدونة : لم يؤلف السيوري إلا كرّاسة وليس له تأليف ، وسببها أنه بلغ من ورعه ما تقدّم ، وقد بنى دارا لدبغ الجلود يكريها ، فقام عليه من عاصره من المفتيين حينئذ فأنكروا عليه ، فأخذ يستقرئ من المذهب قولا لمالك ؛ بأن أولاد الماشية المغصوبة غلّة تطيب للغاصب كمذهب الشافعي الّذي يشتري جلود الخرفان ليدبغها ، فقد قلّد مالكا في أنها غلة تطيب للغاصب فهو مباح لهم ، قال : فأنا إنّما أخذت منهم في إجارة داري ما كان مباحا لهم بتقليدهم لمالك في ذلك ، وإنما يحرم عليّ ما حرم عليهم . قلت : حاصل جوابه أنه يكتسب بالشرع ، ويأكل ، ويلبس ، بالورع وهو مذهب سحنون سعيد ، فقد كان يملك من الزيتون بالسّاحل اثني عشر ألف زيتونة ، ويعمد إلى شجرة منها فيخدمها ويقوم بها ويقول : أنا فيها مساقي ! فيأخذ نصف ما يخرج منها يأتدم به وينتفع به ، والنصف الآخر مع بقية الزيتون يخرجه للفقراء والمساكين ، وقال أحمد بن نصر الداودي : « العكس أولى وهو الأكل بالشرع ، والكسب بالورع ، لأنّ الأكل ضروري لا بد منه ، والكسب اختياري » . قال عياض : « ويقال إنه مال أخيرا إلى مذهب الشافعي » « 2 » .

--> ( 1 ) ترتيب المدارك 4 / 770 ( طبعة بيروت ) ، 8 / 65 ( طبعة وزارة الأوقاف المغرب ) . ( 2 ) ترتيب المدارك : 4 / 770 ( طبعة بيروت ) .