عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

153

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا * وإن وعدوا أوفوا ، وإن عقدوا شدّوا « 1 » ويقال : بل لحقه في هذا دعاء الشيخ أبي محمد بن أبي زيد ، إذ كان البراذعي في أيام قراءته عليه ، يتسبّب في الاعتراض عليه ، والتنبيه على أوهامه ، والإزراء على بعض كلامه ، فعزّ ذلك على الشيخ ، وتفرّغ إلى الدعاء عليه ، فكانوا يرون أن ذلك لحقه فلفظته « 2 » القيروان ولم يستقر بها فخرج إلى صقلية وقصد أميرها فحصلت له عنده مكانة ؛ وعنده ألّف كتبه المذكورة » « 3 » . قلت : ما ذكره من دعاء الشيخ عليه ، يحذر التلميذ من أن يوقع نفسه في إساءة الأدب على شيخه وعلى قدر ما يعظم شيخه يعظمه هو تلامذته ، وما رأيت أحدا من أصحابنا عمل هذا وجاء منه شيء بعد أن كان عند الناس ، لا يكون بعد شيخه إلا وهو ، وقد كان يقال في أبي عبد اللّه محمد بن أبي الفرج المازري يعرف بالذكي أنه أفقه من أبي عمران وغيره في زمانه ؛ ولكنه كان يسيء الأدب على شيخه أبي القاسم السيوري ويتبع سقطاته حتى جمع نحو من ثلاثين مسألة من سقطاته فدعا الشيخ عليه بأن لا ينفعه اللّه بعلمه ، فلم يقدر أن يسكن القيروان وغيرها حتى وصل إلى أصبهان ، فكان يدرس فيها الأدب ، وذهب علمه بالسنة هناك ضياعا ، وتوفي هناك ، قال شيخنا أبو عبد اللّه بن عرفة وما ذكره عياض من كونه كان مبغضا إلى آخره نحوه ما أخبرني به شيخنا الفقيه الشهير أبو عبد اللّه بن الحباب أنه رأى بخط الكاتب الأديب المؤرخ أبي الحسن علي بن موسى بن سعيد [ العيسي ] « 4 » أن أبا سعيد البراذعي ، كان غير مسالم في حاله ، وأنه كان يعلم ذلك من الناس فكان ينشد من يأتيه من الطلبة البيت المشهور : فخذ بعلمي ولا تنظر إلى عملي * كل الثّمار وخلّ العود للنّار « 5 »

--> ( 1 ) البيت ورد في ترتيب المدارك ، والديباج . وفي ت ورد باللفظ التالي : أولئك قوم إن بنوا أحسنوا إلينا * وإن أودعوا أوفوا وإن غفروا نشدوا ( 2 ) لفظته : رمت به خارجها وقذفته . ( 3 ) الخبر بأتمه ورد ذكره في ترتيب المدارك ، والديباج . ( 4 ) الصواب : المغربي توفي سنة 685 ه . وهو ساقط من : ت . ( 5 ) البيت لأبي نواس في قوله : خذ العلوم ولا تعبأ بناقلها * واقصد بذلك وجه الخالق البار إنّ الرّجال كأشجار لها ثمر * فاجن الثّمار وخلّ العود للنّار