عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

141

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

إلى آخره ، فلمّا صلّى الصّبح جلس لإلقاء المسائل إلى الظهر ، ولما تفرّق النّاس عنه قال لي : يا بنيّ اعمل فلو علمت أنّ هذا الضّعف يدركني عند كبري لاستغنمت أيّام شبيبتي ، وكان هذا قبل وفاته بنحو العامين ، وكان يصوم ويفطر ، إلا في رجب وشعبان فما رئي فيهما مفطرا قطّ ، وكان يصوم أيضا في شوال ، وذي القعدة ، وعشر ذي الحجّة ، ويصوم المحرّم ، ولقد صام سنة كاملة ، وأراد التّمادي على الصوم فضعف جسمه وضاق خلقه ، ولقد ختم القرآن بقصر أبي الجعد من الظّهر إلى العصر ثم صار بعد ذلك يتفهّم القرآن ، وأما تعظيمه للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم ، فشئ كثير ، كان إذا استدعاني لعلم أو لعبادة أو لقربة قال : يا أبا محمد ، وإذا استدعاني لقضاء حاجة يقول لي : يا مالكيّ ، إعظاما لاسم محمد صلّى اللّه عليه وسلم أن ينادي به في غير قربة ، وكان من أصحابه المتصرّفين في خدمته رجل عثماني « 1 » ، ولم يعلم بنسبه ، فلما علم بعد ذلك استدعاه وقال : يا بني لو علمت أنّك عثماني ما صرفتك ، وأمّا ورعه فشئ لا يطاق ، وذكر أنه احتاج إلى غسل يديه فأوتي بماء من المسجد فامتنع من الغسل به ، وقال : إنما جعل للشّرب ولم يجعل لغسل اليد . قلت : في هذا نظر ، وليس هذا من باب الورع ، وإنّما هو من باب الواجب إذا كان ماؤه محبسا على من يشربه فقط كما هو ظاهر لفظه ، قال : وظاهر نقله عن المالكي ، وكان لا يأكل ما يباع بصبرة ، ولا ما يشترى منها ، ولا يشرب من ماء العين الّذي يأتي صبرة « 2 » . وأخبر أنه كان في صغره أخذ سنبلة من زرع فتصدّق عن صاحبها بقمح كثير ، وكان بعد ذلك يقول في نفسي منها شيء . قلت : وكان شيخنا أبو الفضل البرزلي إذا نقل هذه الحكاية يقول عنه : أخذت سنبلة من حدّ بين زرعين ورميت بها على أحدهما وتصدقت عنه بأقفزة قمحا ، ولا أزال أخافها . قال : وقد كان بعث إليه عبد اللّه ابن الكاتب صاحب القيروان ليسأله عن حرف في القرآن فلم يجبه حتى قال له أخوه أبو سعيد : يا أخي إني أخاف منه على نفسي إن لم تجبه فسار الشيخ أبو الحسن إليه فلما دخل أخذ يعلم موضع قدميه من الأرض فلمّا

--> ( 1 ) لعله نسبة إلى عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه . ( 2 ) صبرة : مدينة بالقيروان كبيرة بناها إسماعيل العبيدي وسماها المنصورية سنة 337 ه وكان لها قائد كبير . راجع الروض المعطار ص : 354 .