عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

142

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

دخل عليه لم يسلّم وجلس فسئل عن الحرف الّذي أشكل عليهم فلم يجب بشيء ، فقرأ القاري ذلك الحرف مرّة بعد أخرى وهو ساكت حتى قرأه بالصّواب فأشار إليه ، أي نعم ، ثم خرج من عنده وما وفاه بكلمة تورّعا ، فلمّا رجع أخذ يتبع آثار قدميه في السير فيضع فيها قدميه لئلّا يكثر الخطا في الأرض المغصوبة . قلت : ظاهر هذا يقتضي أنّ الشّيخ إنّما عمي في آخر عمره ، ومثله قوله فيما تقدم لما مات ابن أبي زيد بكى عليه القابسي حتى كاد أن يعمى ، وهو خلاف ظاهر قول عيّاض فإن كلامه يقتضي أحد أمرين إما أنه خلق أعمى وإما أنه عمي في صغره في قوله : كان فقيها أصوليّا متكلّما مؤلّفا مجيزا ، وكان أعمى لا يرى شيئا وهو مع ذلك من أصحّ النّاس كتبا وأجودهم ضبطا وتقييدا ، يضبط كتبه بين يديه ثقات أصحابه ، والّذي ضبط له البخاري في سماعه على ابن أبي زيد بمكة أبو محمد الأصيلي بخط يده « 1 » . وسمعت ممن نثق بنقله أن الشّيخ أبا محمد بن أبي زيد أتاه راعي غنمه بشاة فأمر ببعثها إلى الشيخ أبي الحسن ، فأمر بذبحها فلما ذبحت وسلخت رمى بطرف منها إلى قطّته فشمّتها ولم تأكلها ، فأمر بردها إلى أبي محمد ، فسأل ابن أبي زيد الرّاعي فقال له : إنها اختلطت علي غنم ولم يأت لها طالب ! فعجب أبو محمد وقال : أفي غنمي الحرام قطّة أبي الحسن القابسي أورع منك يا ابن أبي زيد ! ذكر إجابة دعائه كان الشيخ أبو الحسن معروفا بالإجابة فكان إذا دخل محرابه وانتفخت عيناه واحمرّت ، ولجأ إلى اللّه عزّ وجل ورئي ذلك منه ، انتظرت إجابة دعوته ومنتهاها ثلاثة أيام ، وكان بالمهدية نصراني ابن أخي حاضنة باديس صاحب القيروان ، فافتضّ « 2 » هذا النّصرانيّ صبيّة شريفة ، فلما سمعت بذلك العامّة قتلوه « 3 » ، فبلغ ذلك باديسا ، فعظم ذلك عليه ، وأرسل قائدا بعسكر إلى المهدية وأمر بقتل كلّ من بلغ ، فبلغ ذلك أبا الحسن ، فدخل المحراب وأقبل على الدعاء في كشف هذا ، فلما وصل القائد إلى قصر مسوّر قرب المهدية ، بات فيه فقام باللّيل وهو سكران يمشي

--> ( 1 ) الخبر في ترتيب المدارك : 4 / 617 . ( 2 ) أي ختم بكرتها وهتك عرضها واغتصبها . ( 3 ) في ترتيب المدارك : « رجعوا إليه فقتلوه » 4 / 619 .