عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

117

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

قلت : وكان شيخنا أبو الفضل أبو القاسم بن أحمد البرزلي يزيد فلما بلغته قال : هذا رجل وجبت علي مكافأته فشرح الرّسالة . قال : ووصل يحيى بن عبد اللّه المغربي حين قدم القيروان بمائة وخمسين دينارا ذهبا ، وجهّز ابنة الشيخ أبي الحسن القابسي بأربعمائة دينار عينا . وقال : كنت أعددتها من حين إملاكها لئلا يشتغل قلب أبيها من قبلها ، وبعث إلى الفقيه أبي القاسم بن شبلون في مرضة مرضها بخمسين دينارا ذهبا ، وذكر الفقيه أبو بكر بن أبي العباس الصقلي يوما أبا محمد في مجلس فتاويه وذكر فضائله فبكى وقال : كان أعطاني أيام طلبي عليه بالقيروان جارية ، وأنّ ولدي هذا منها ، وأشار إلى ولده ، وله صنائع مشكورة ، ولقد حدّثني الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن سيّد النّاس اليعمري ، عن أبيه ، عن الحافظ أبي الربيع سليمان بن محمد المقرّي ، عن ثقات شيوخه ؛ أن بعض طلبة الأندلس ، وصل إلى الفقيه أبي محمد للقراءة عليه فأكرمه وأنزله وأجرى عليه ما يحتاج إليه من نفقة ، وجعله إمام مسجده فبينما هو ذات يوم خارج من داره إلى الصلاة وكانت داره التي أنزله فيها ، مجاورة للمسجد في قبالة حمّام أبي محمد ، إذ نظر إلى امرأة خارجة من الحمام ، وقد كشفت عن وجهها لما نالها من حرّ الحمام ، ولم تظن أن أحدا ينظر إليها ، فلمّا رأته سترت وجهها وانصرفت فقيّدت بصره ، وأخذت من نفسه مأخذا عظيما فتبعها إلى أن دخلت دار الفقيه أبي محمد بن أبي زيد ، والفقيه أبو محمد ينظر إليه في تلك الحالة ، فلما رآه ينظر إليه ، سقط ما في يده ، وداخله من الحياء والخجل ، ما لا مزيد عليه ، ورجع إلى داره حزينا كئيبا ، فلما تأخّر عن الصّلاة أتاه المؤذن يؤذنه بها ، وأعلمه أنّ الشيخ أبا محمد بعث إليه فأتى فصلّى بالناس ثم أخذ الفقيه معه في المذاكرة والمؤانسة ، إلى أن صلّى العشاء الآخرة ، فقال له أبو محمد : انصرف إلى دارك حتّى أصل إليك ، فلم يشك أنه يقول له في ذلك ، وظنّ سوءا ، وعاد إليه حزنه وكآبته ، فلمّا وصل إلى داره ، لم يجلس إلا وأبو محمد في إثره ، فقال له : يا بني إنما جئتك معتذرا من تقصيري في حقّك إذ لم أقم بجميع ما تحتاج إليه ، وذلك أني لم أتفقّد أنك تحتاج إلى النّساء ، فإنّك شابّ ، وها أنا شيخ أحتاج إلى الزيادة من ذلك فكيف أنت ؟ وأمّا الصّبيّة التي رأيتها خارجة من الحمّام ، فإني ربّيتها صغيرة لنفسي وهي لك ، وما أخرتها لهذا الوقت إلّا أنهم في الدار من ذلك الحين يصلحون من شأنها ،