عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

118

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

فلم يبرح حتى وصلت الصّبيّة بجميع ما تحتاج إليه من ثياب وحلي ، وفرش ، وتركها في منزله وانصرف . قلت : يعني بعد أن عقد له النّكاح عليها ، وإنما سكتوا عنه لوضوحه واعجباه ! هكذا كان خواصّ العلماء في أخلاقهم وإنصافهم وإعانتهم ، ولو وقع اليوم أقل من هذا لتلميذ مع شيخه ، لما نظر له في وجه ، ولا صلّى وراءه أبدا ، ولا يقدمه في خطة شرعية ، ولا يقبل له توبة أبدا ، وكان شيخنا أبو الفضل البرزلي حفظه اللّه تعالى إذا نقل هذه الحكاية يقول إنما تبعها ليعرف دارها حتى يسأل عنها هل لها زوج أم لا ، فإن لم يكن لها زوج خطبها ، فتبعها حتّى دخلت دار الشيخ ، فخجل فرفع بصره وإذا بالشيخ ينظره وهو جالس من طاقة في علوّ داره ، وكان شيخنا المذكور ينقل غير ما مرّة حكاية أخرى وهي أن ابنة الشيخ أبي محمد دخلت حمّاما في أول الليل ، فأطالت الإقامة وهي معتقدة أن أول اللّيل لم يزل ، فلمّا خرجت لم تجد أحدا يمشي فخافت إن هي مشت إلى دار أبيها قد يقع بها من يؤذيها ، فضربت باب علو ، فخرج لها منه رجل فقال لها : ما تريدين ؟ فقالت : كنت في الحمّام ، واعتقادي أنّ أول اللّيل لم يزل ، وخفت إن مشيت إلى داري يضرني من يجدني ، فأحببت أن أبيت عندكم حتى يطلع النهار ، فقال : افعلي فوجدت رجلا من طلبة العلم وكتبه بين يديه ، فأخذ ينظرها وليس معه في الموضع أحد فخافت منه ، فلما كان بعد ساعة وسوسه الشّيطان لعنه اللّه تعالى وقال له : هذه طفلة جميلة الصورة ، جاءت لمكانك . فقال : لا أفعل فإنّ النّار عظيمة ، وطرد ذلك عنه فعاودته الوسوسة فأخذ يعظ نفسه بالنار ، فلم تنته فأخذ أصبعه فوضعه على ذبالة المصباح ، وقال لنفسه : نار القيّامة أعظم ، فهل لك صبرا عليها ؟ وجعل ينقل أصابعه العشرة على الذّبالة ، والنّار تشوطها وهي تنظر ، وما زال كذلك ، حتى طلع الفجر ، فقال لها : سلّمني اللّه وإيّاك ، وإن الفجر قد طلع ، فامش إلى دارك فمشت فوجدت أمها خلف الباب وهي تلتهب عليها فقالت لها : يا بنية لعلك سالمة قالت : سالمة ، وأعلمتها كيف جرى لها ، وأعلمت والدتها والدها أبا محمد فجعل الشيخ ينظر في طلبته لعله يعرف الرجل ، فلما جاءت الدولة إليه أخذ الكتاب ليقرأ فيه بيديه وهما مغطياتان في كمه ، فعلم أنّه هو ، فلما فرغ الميعاد وأخذ الناس في الخروج ، وأراد الرجل الخروج كغيره ، أشار إليه الشيخ بالجلوس فسأله عن كونه لم يخرج يديه ؟ فكلّمه بكلام علم أنه صاحبه ، فعرفه أنها