عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

115

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

قال : فانتشرت الرّسالة في سائر بلاد المسلمين ، حتى بلغت العراق ، واليمن ، والحجاز ، والشّام ، ومصر ، وبلاد النّوبة ، وصقلية ، وجميع بلاد إفريقية ، والأندلس ، والمغرب ، وبلاد السودان ، وتنافس الناس في اقتنائها حتى كتبت بالذّهب وأول نسخة نسخت منها بيعت ببغداد في حلقة أبي بكر الأبهري بعشرين دينارا ذهبا . قلت : ولما فرغ من تأليفها كتب منها نسختين وبعث بواحدة إلى أبي بكر الأبهري ببغداد ، فوصلت إليه فأظهر الفرح بها ، وأشاع خبرها بين الناس ، وأثنى عليها وعلى مؤلفها ، وأمر ببيعها ليحسن بثمنها إلى الواصل بها فبيعت بمائتي دينار دراهم ، فقال : لا تباع إلّا وزنا بوزن ، ففعل ذلك ، فجاء وزنها ثلاثمائة دينار ، ونيّفا ، وبعث بالأخرى إلى أبي بكر بن أبي زرب بقرطبة فوصلت إليه فأخفاها ، وأخذ في تأليف كتاب « الخصال » عوضها ، فبعد ذلك ، أظهرها فقال لسان الحال : « وطئوا ووطأنا وسيظهر ما كان « * » للّه » . فكتب أبو محمد إلى الأبهري يخبره بما فعل ابن زرب فراجعه الأبهري برسالة يقول فيها : [ أعجب ما في الأمور عندي * إظهار ما تدعي القلوب ] « 1 » تأبى نفوس نفوس قوم * ما لهم عندهم ذنوب وتصطفي أنفس نفوسا * وما لها عندهم عيوب ما ذاك إلّا لمضمرات * يعلمها الشّاهد الرّقيب ومدحها القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن نصر المالكي فقال : رسالة علم صاغها العلم النّهد « 2 » * قد اجتمعت فيها الفرائض والزّهد أصول أضاءت بالهدى فكأنّما * بدى لعيون النّاظرين بها الرّشد

--> ( * ) هذه الكلمة : « وسيظهر ما كان للّه » تذكر بقولة مالك لما صنف « الموطأ » ، وأخبر بأن عبد اللّه بن وهب المصري رحمه اللّه صنّف كتابا سماه « الموطأ » فقال مالك : « يبقى ما كان للّه » ، فصار كتاب مالك مثل الشمس في الشهرة وكثرة النسخ ، وكتاب ابن وهب قلّ من يعرفه . ( 1 ) هذا البيت ساقط من ترتيب المدارك . والأبيات وردت في هذا المرجع على الشكل التالي : تأبى قلوب قلوب قوم * وما لها عندها ذنوب وتصطفي أنفس نفوسا * وما لها عندها نصيب ما ذاك إلّا لمضمرات * أضمرها الشّاهد الرّقيب ( 2 ) النّهد : المرتفع . أي : ينهد إلى معالي الأمور .