عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
67
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قال له : حفظك اللّه ، إنّ أهل مصر إذا سمعوا بك يأتون إليك فهل لك أن تدخل الحمّام ؟ قال : أجل ، فقصد به حمّام ذلك الرّجل اليهودي ، فلما قرب ، خروج ابن سحنون خرج الرّجل صاحبه قبله وأنشب مع اليهودي المناظرة ، فلما خرج ابن سحنون وجد اليهودي أقوى من صاحبه ، فأزاله وأخذ يناظره حتى كانت صلاة الظّهر ، فصلاها محمد ثم رجع فلما طلع الفجر وانقطع اليهوديّ في الحجّة ، وخرج ابن سحنون وهو يمسح العرق عن وجهه « 1 » وشاع بمصر ألا أنّ اليهوديّ قد أسلم على يدي محمد بن سحنون ، فأتى إليه فقهاء مصر فمن جملة من أتاه : أبو رجاء بن أشهب وسأله أن ينزل عنده ففعل ، ولما جلس وحلّق عليه العلماء وسألوه فكان من جملة من أتى إليه : المزنيّ صاحب الشافعي فجلس كثيرا لينفض الناس عنه ، ويخلو به ، فلما خرج قدّمت إليه دابته ليركب ، قيل له : كيف رأيته ؟ قال : واللّه ما رأيت أعلم منه ولا أحدّ ذهنا على حداثة سنّه ، وكان إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة ، ولمّا وصل إلى المدينة ودخل مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلم تسليما وجد جماعة عظيمة محلّقين على شيخ وهو متّكئ لكبر سنّه وهم يتنازعون في مسألة من مسائل أمّهات الأولاد ، فنبّههم على نكته ، فاستوى الشّيخ جالسا وقرّرها ، فزاد ابن سحنون أخرى فقال الشيخ : من أي بلاد أنت ؟ قال : من إفريقيّة ، قال : من أيّ بلدة منها ؟ قال : من القيروان ، قال : ينبغي أن تكون أحد الرّجلين إمّا محمد بن سحنون ، وإما محمد بن لبدة ابن أخي سحنون ، فإن هذا التّنكيت لا ينبغي أن يكون إلّا من أهل دار سحنون فقال له : أنا محمد بن سحنون ، فقام إليه وصافحه وخرجوا من المسجد وجعل ابن سحنون يملي على الشيخ بالطريق وهو يكتب المسألة . وروي أنه كان ذات يوم يؤلف إلى أن حضر العشاء فجاءته جاريته أم مدام بالعشاء وكانت عنده تسعة أسرّة ، لكلّ سرير سريّة فقال لها : يا أمّ مدام أنا مشغول عن العشاء بما أنا فيه . فلما طال انتظارها أخذت تلقمه وهو على حاله يؤلّف حتى أتت على جميعه ، وما زال كذلك حتى أذّن المؤذّن لصلاة الصّبح ، فطوى كتابه وقال : يا أمّ مدام هات ما معك من العشاء ، فقالت : يا سيدي إني أطعمتك إيّاه ، فقال : واللّه ما شعرت بذلك . قال عيسى بن مسكين : لما وصل كتاب الإمامة الذي ألّفه محمد بن سحنون إلى بغداد ، كتب بماء الذّهب وأهدي إلى الخليفة .
--> ( 1 ) انظر هذا بتفصيل في الرياض : 1 / 450 - 451 .