عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
66
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
كانت القيروان حينئذ سحنونيّة وعبدوسيّة . وقد قال المالكي : لم يكن في عصره أحد أجمع لفنون العلم منه ، ألّف في جميع ذلك كتبا كثيرة تنتهي إلى المائتين « 1 » . قلت : والمراد بالكتب كما تقول : كتاب الطّهارة ، كتاب الصّلاة ، كتاب الزّكاة ، وليس المراد أنّ الكتاب الواحد عبارة عن سفر واللّه أعلم . قال : قال عيسى ابن مسكين : خير من رأيت محمد بن سحنون كان جامعا لخصال من الخير منها العلم ، والورع ، ومعرفة الأثر ، وكثرة الإيثار ، والتفقد للإخوان . قلت : وقال عيسى أيضا : « ما رأيت في العلم مثل ابن سحنون » . وقال مرة ما رأيت بعد سحنون مثل ابنه . وهذا أخص مما ذكره بالنسبة لكونه أفقه ويأتي ما يعارض هذا عند ذكر ابن عبدوس . وقال يحيى بن عمر : كان من أكثر الناس حجّة وكان يناظر أباه . وقال ابن حارث : كان فتح اللّه له باب التأليف وجلس مجلس أبيه بعد موته ، وكان سحنون يقول لمعلّمه : لا تؤدّبه إلّا بالمدح ولطيف الكلام ، ليس هو ممن يؤدّب بالضّرب والتّعنيف ، وإني أرجو أن يكون نسيج وحده ، وفريد أهل زمانه ، واتركه على [ نحلتي ] « 2 » وأخاف أن يكون عمره قصيرا « 3 » . فكان كما قال سحنون . وكان سحنون يقول : ما أشبهه بأشهب . قلت : وكان النّاس يحلقون عليه بعد حلقة أبيه ، وكان يؤلّف في حياة والده وكان يقول له : يا محمد احذر أهل العراق ، فإنّ لهم ألسنة حدادا ، وإيّاك أن يغلط قلمك فتعتذر فلا يقبل عذرك . ذكر جملة من أخباره لما عزم على الرّحلة للمشرق قال له أبوه : إنّك تقدم على بلدان سمّاها إلى أن تقدم مكّة فاجتهد جهدك ، فإن وجدت عند أحد من أهل هذه البلدان مسألة خرجت من دماغ مالك ليس هي عند شيخك يعني نفسه ، فاعلم أنّ شيخك كان مفرطا « 4 » . وكان رجل من أصحاب ابن سحنون حجّ فاجتمع مع رجل يهودي صاحب حمام وناظره في أصول الدين فوجده قويا ، ثم وصل الرّجل إلى القيروان فلما عزم ابن سحنون على الحج قال الرجل : أحجّ معه حتى أجمع بينهما ، فلمّا وصل معه لمصر
--> ( 1 ) الرياض : 1 / 443 . ( 2 ) في المعالم مصحّف إلى لحنتي ، والصواب ما أثبتناه من الرياض 1 / 443 . ( 3 ) الرياض : 1 / 443 - 444 . ( 4 ) الرياض : 1 / 444 .