عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
51
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
وأن أبذل دمي دون دمك ، فاذهب حيث شئت من البلاد ، أو أقم فأنا معك . فشكره سحنون وقال : ما كنت أعرّضك لهذا ، بل أذهب معك فخرج وشيّعه أصحابه ، وقال عبد الرحيم للرسول : قل للأمير أوحشتنا من صاحبنا وأخينا في هذا الشهر العظيم ، وكان شهر رمضان سلبك اللّه ما أنت فيه وأوحشك . وفي رواية عارضتني في ضيفي فو اللّه لأعرضنك على رب العالمين . فلما وصل الأمير جمع له قوّاده وقاضيه ابن أبي الجواد وغيره ، وسأله عن القرآن ؟ فقال سحنون : أما شيء أبتديه من نفسي فلا ، ولكني سمعت من تعلّمت منه وأخذت عنه ، كلهم يقولون : القرآن كلام اللّه غير مخلوق ، فقال ابن أبي الجواد : كفر اقتله ودمه في عنقي ، وقال غيره مثله ممن يرى رأيه ، وقال بعضهم : يقطع أرباعا ويجعل كل ربع بموضع من المدينة ويقال : هذا جزاء من لم يقل بكذا . فقال الأمير لداود بن حمزة : ما تقول أنت ؟ قال : قتله بالسّيف راحة . ويقال : قائل هذا علي بن حميد ، ومحمد بن أحمد الحضرمي ، ورجال السنة من أصحاب السلطان ولكن الحياة تأخذ عليه الضمناء ، وينادى عليه بسماط القيروان أن لا يفتي ولا يسمع أحدا ويلزم داره ، ففعل ذلك وأخذ عليه عشرة حملاء ويقال : إن ابن أبي الجواد هو الذي أمر بأخذ الحملاء عليه . قال سهل : فدخلت عليه ومعي دراهم أشتري بها ثيابي من الحرس أن أخذوني فعافاني اللّه فقلت : البدعة فاشية وأهلها أعزاء . فقال لي : أما علمت أنّ اللّه إذا أراد قطع بدعة أظهرها ؟ وما كان إلا زمنا قليلا ومات الأمير . هذا نقل الأكثر . وقال المازري في شرح الجوزقي : لما انصرف الحاجب بسحنون ومشوا به وبقي بينه وبي القيروان قدر الميل ، وإذا بصوت كصوت الغرانيق هول الخيل إنه يخبركم أن أميركم قد مات . قال سحنون : فدخلت بحمد اللّه سالما . ذكر بقية أخباره كان رحمه اللّه تعالى يقول : أجرأ النّاس على الفتيا أقلهم علما ، يكون عند الرجل باب واحد من العلم يظن أن العلم كله فيه . وكان يقول إني لأسأل عن المسألة فأعرف في أيّ كتاب وورقة وصفحة وسطر فما يمنعني عن الجواب فيها إلا كراهة الجرأة على الفتيا ، وكان يقول : « سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال » وكان يقول : ما أقبح العالم يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه فيسأل عنه فيقال : هو عند الأمير ، هو عند الوزير ، هو عند القاضي ، فإن هذا وشبهه شرّ من علماء بني