عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

52

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

إسرائيل بلغني أنهم كانوا يحدثونهم من الرخص ما يحبون مما ليس عليه العمل وفيه النجاة لهم كراهية أن يستثقلوهم ولعمري لو فعلوا ذلك لنجوا ، ووجب أجرهم على اللّه عزّ وجل ، فو اللّه لقد ابتليت بهذا القضاء وبهم ، فو اللّه ما أكلت لهم لقمة ولا شربت لهم شربة ، ولا لبست لهم ثوبا ، ولا ركبت لهم دابّة ، ولا أخذت لهم صلة ، وإني لأدخل عليهم فأكلمهم بالتشديد ، وما عليه العمل وفيه النجاة ثم أخرج عنهم ، وأحاسب نفسي ، فأجد عليّ الدّرك مع ما ألقاهم به من الشّدّة والغلظة ، وكثرة مخالفتي لهم ، ووعظي لهم ، فلوددت أنّي أنجو ممّا دخلت فيه كفافا وأرسل أسد بن الفرات وهو قاض إلى سحنون ، وعون بن يوسف ، وابن رشيد ، وموسى الصّمادحي فسألهم عن مسألة من الأحكام ، فأجاب فيها عون ، وابن رشيد وسكت سحنون ، فلما خرجوا عذلاه في ترك الجواب فقال لهما : منعني أنّكما بادرتما بالجواب فأخطأتما ، فكرهت أن أخالفكما فندخل عليه إخوانا ، ونخرج أعداء . وبيّن لهما وجه خطئهما ، فجزياه خيرا واعترفا ورجعا إلى أسد فأخبراه برجوعهما . قال القاضي عياض رحمه اللّه تعالى : لعلّ سحنون عوّل على ما عرف من فضلهما من أنه إذا بيّن لهما وجه خطئهما رجعا فيعلما أسدا برجوعهما كما فعلا ، وأنّ الحكم لا يخشى فواته ، وإلا فهو في فضله وورعه لا يسكت في مثل هذا وروى عنه عيسى بن أيوب أنه قال : إذا تردّد الرّجل على القاضي ثلاث مرّات بلا حاجة ، فلا تجوز شهادته . قال ابن حارث : سمعتهم يقولون : كان سحنون من أيمن عالم دخل المغرب ، كان أصحابه مصابيح في كل بلدة عدّ له نحو سبعمائة رجل ظهروا بصحبته وانتفعوا بمجالسته . وقال محمد بن أحمد بن تميم : الذين يحضرون مجلس سحنون من العباد ، أكثر من الذين يحضرونه من طلبة العلم ؛ كانوا يأتونه من أقطار الأرض وكان رحمه اللّه كثيرا ما يجري كلامه على غائب وجيء إليه ليصلي على مقتول فقال : لم تحضرني نية ، وأتى آخرون فقالوا له : فلان أصلحك اللّه قتل وطرح في بئر وقد أخرجناه فصلّ عليه . قال : ومن قتله ؟ قالوا : هذا المقتول الذي سئلت قبل الصّلاة عليه . فصلّى عليه ولم يصلّ على قاتله كأنه فراسة منه ، وأعطى مرّة صرّة فيها دراهم لرجل وقال : أخرج فأول رجل تلقاه فأعطها له ، فوجد رجلا وعليه ثوب أبيض ، وهو يحمل تحته شيئا فناوله ذلك ، فلما جسّها رمى بذلك الشيء الذي تحته وإذا هو ميتة وقال : هذه كانت حلالا والآن حرمت علينا . وهذه فراسة سحنون . وخرج يوما على أصحابه مغضبا على وجهه كآبة إذ جاءه رجل بدوي وفي رواية غلام له فساره