عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
50
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
الأمير : اقرأ على الشيخ السلام وقل له : جزاك اللّه عن نفسك وعنّا وعن المسلمين خيرا ، فقد أحسنت أولا وآخرا ، وقمت بما يجب عليك ، امض على أحسن نظرك إن شاء اللّه ، فانصرف محمد إلى أبيه فشكر اللّه على ما وفّقه ، واجتمع إليه وجوه أهل القيروان فشكروا له سعيه فقال لهم سحنون : تقدموا إلى باب الأمير فاشكروه فأدخلهم أبو العباس ووقع ذلك بالموافقة . وروي أن محمد بن سحنون وقف على منبر أبيه وقال : اشهد على صاحب هذا المنبر أني سمعته يقول : إنه لتخف علينا مؤنة من لا يصل إلى ضرّنا حتّى يقضي اللّه فينا . ذكر محنته رحمه اللّه تعالى قال غير واحد من العلماء بالأثر : كان سحنون قد حضر جنازة وهب ، وكان أخاه من الرّضاعة فتقدّم ابن أبي الجواد الذي كان قاضيا قبله ، وكان يذهب إلى رأي الكوفيين ويقول بالمخلوق فصلّى عليها فرجع سحنون ولم يصلّ خلفه فبلغ ذلك الأمير زيادة اللّه ، فأمر أن يوجّه إلى عامل القيروان ، يضرب سحنونا خمسمائة سوط ، ويحلق رأسه ولحيته ، فبلغ ذلك وزيره علي بن حميد فأمر الوزير أن يتوقّف ، وتلطّف حتى دخل على الأمير وقت القائلة ، وقد نام فقال له : ما شيء بلغني في كذا ، قال : نعم ، قال : لا تفعل ، فإن الغير إنما هلك بضربه لبهلول بن راشد فقال : وهذا مثل بهلول قال : نعم وقد حبست البريد شفقة على الأمير ، فشكره ولم ينفّذ أمره ، وبينما سحنون يقرئ النّاس إذ أتاه الخبر بما أراح اللّه منه ، وقيل له لو ذهبت إلى علي بن حميد فشكرته ، قال : لا أفعل ، قيل له : لو وجهت ابنك لذلك ، فأبى ، قال : ولكني أحمد اللّه الذي حرّك ابن حميد لهذا فهو أولى بالشكر وأقبل على إسماعه ، فقال له قوم من أصحابه : لهذا كتب واللّه اسمك بالحبر على الرّقوق . قال ابن وضاح : كنت عند سحنون فجاءه إنسان فسارّه شيئا ، فتغير لونه ، ثم جاءه آخر فسارّه فرجعت إليه نفسه ثم قال : لم أبلغ أنا مبلغ من ضرب ، إنما يضرب مثل مالك وابن المسيب . ولمّا ولي أحمد بن الأغلب الإمارة وأخذ الناس بالمحنة بالقرآن ، وخطب بالقيروان توجه سحنون إلى عبد الرحيم الزاهد بقصر زياد فارّا فكان عنده ، فوجّه من طلبه إلى هنالك رجلا يقال له : ابن سلطان كان مبغضا في سحنون بغضا عظيما اختاره لذلك في خيل وجهها معه ، فلما وصل إلى سحنون قال ابن سلطان : وجهني الأمير إليك ، وقصدني لبغضي فيك لأبلغ منك ، وقد حالت نيتي عن ذلك ،