عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
49
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
حاتما يمضي هكذا ، فأمر بسجنه وطرحت عمامته في عنقه وحمل إلى الحبس فلحقه معتب « 1 » وقال : يا حاتم لا تلقينّ الشّرّ بين الأمير والقاضي . وأعطاه معتب من عنده تسعة دنانير ، فخلى حاتم عن السبي وأخبر معتب سحنونا بذلك فأمر بإطلاق حاتم من السجن . قال : وروى أبو العرب عن يحيى بن عمر قال : أتى زوكاي بن زريخ من بعض الحروب التي كانت بإفريقية بعدّة حرائر ؛ فأخبر سحنون أنّ زوكاي أدخل سبع عشرة من سبي الجزيرة قريشيات وعربيات ، فأرسل سحنون إلى جميع النّواحي والأقطار ، فاجتمع إليه ألف رجل فقال : تخيّروا لي من أحداثكم مائتي شاب أريدهم لأمر يأجرني اللّه عليه . فاختاروا ما أمرهم ، فلما صلّى العشاء أمرهم فقال : امضوا إلى دار زوكاي بن زريخ فقولوا : القاضي يقرأ عليك السّلام ، ويقول لك : اخرج إليّ القريشيات اللّواتي سبيت من الجزيرة ، ولا تجعلوا له سبيلا إلى غلق الباب ، فإنه إن أغلقه لبس سلاحه ولا آمن أن تهراق الدّماء فاشغلوه حتى يلج الدّار ويتقدم من مشايخكم مثل السبعة ينادون أين المسبيات ليخرجن بأمر القاضي فإذا خرجن من عند آخرهنّ تركتم زوكاي وسبيله فلما خرج لهم زوكاي قال لهم : خدمي أخذتهنّ بسيفي فقبضوا عليه ، ودخل الشهود فأخرجوا المسبيات وتركوا زوكاي وأدخلوا النّساء دار سحنون ، فركب زوكاي إلى القصر ، فوافق الأبواب قد غلقت ، فبات على الميدان ، فلما أصبح استأذن على أبي العباس الأمير وشق ثيابه فقال مالك : ويحك ، فأخبره فأرسل إلى سحنون أصرف إليه خدمه اللّواتي أخذت . فقال سحنون للرسول : بلغ الأمير باللّه الذي لا إله إلا هو لا أخرجتهن من داري حتى يعزلني ويعلم اللّه أنّي لا نظر لي ولا قضاء على رجلين . ثم دعى ابنه محمدا وأخرج إليه سجله ، فحمله مع الفتى ، وقال له : قل له : جعل اللّه زوكاي شفيعك عنده يوم القيامة . فانصرف الفتى إلى الأمير فأعلمه بيمين سحنون ، وذكر له أن ابنه محمدا بالباب بالسجل ، وقال : قد استحلفت أن أؤدّي إليك ما أجلّ الأمير عنه قال : قل ولا حرج . قال يقول لك : جعل اللّه زوكاي شفيعك عنده يوم القيامة فنكس الأمير رأسه وقال : يدخل إلينا محمد ولد القاضي فقال : ما يقول الشيخ والدك ؟ قال : يطلب اللّه في أن يعفيه الأمير من القضاء وهذا سجله بعث به لتولي أمر المسلمين من تراه . فقال
--> ( 1 ) هو معتب بن أبي الأزهر توفي سنة 277 ه . انظر ترجمته رقم 127 من كتاب معالم الإيمان .