عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

65

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

أرض المغرب . فلما فصل عبد اللّه من مصر ، كان يقدّم الطلائع والمقدمات أمامه ، وكثيرا ما كنت أكون في الطّلائع ، فو اللّه أنا لبطرابلس إذا مراكب قد أرست بالسّاحل فشددنا عليهم فأقاموا ساعة ثم استوسروا فكتّفناهم وهم مائة حتى لحقنا ابن أبي سرح فقتلهم . وقد تحصن منا أهل طرابلس ولم يعرضوا لنا ، فأخذنا ما في السفن ، فكانت هذه أول غنيمة أصبناها ونحن في وجهتنا . ثم لحق بنا الناس وأقاموا أيّاما وكانت السّرايا في كل وجهة تأتي بالبقرة والشاة والعلف ، ثم تمادينا حتى وردنا إفريقية فأقمنا أياما تجري بيننا وبين جرجير ملكهم ندعوه إلى الإسلام وكلما دعوناه إلى الإسلام نخر ثم استطال ، وقال : لا أقبل هذا أبدا . فقلنا له : تخرج « 1 » خراجا في كل عام ، فقال : ولو سألتموني درهما واحدا لم أفعل . ثم إنّا تهيّأنا للقتال بعد الإعذار إليه « 2 » فهيأنا عبد اللّه بن سعد فجعل ميمنة وميسرة وقلبا ، وسار بأصحابه فقال له رجل من قبط مصر كان معه : إنّ القوم لا يصافونك وهم يهربون فاجعل لهم كمينا وفرّقهم في أماكن ، ففعل ذلك عبد اللّه وغدا بنا على تعبية والروم قد رفعوا الصّليب وعليهم من السلاح ما اللّه به عليم « 3 » ، ومعهم من الخيل ما لا يحصى فتشاولنا « 4 » ساعة من النّهار حتى صارت الشمس قدر رمحين أو أكثر ، ثم حمل عبد اللّه بالناس وحملنا معه فكانت الهزيمة عليهم ، وكرّ الكمين عليهم في كلّ مكان فأكثروا فيهم القتل والأسر فطلبوا الصّلح فصالحهم عبد اللّه بن أبي سرح على خراج . روي عن أسامة بن زيد الليثي أن الذي صالحهم عليه عبد اللّه بن سعد ألفا ألف دينار وذكر بعض المؤرخين أن عبد اللّه بن سعد غزا إفريقية في جماعة من الصحابة فلقي جرجيرا في سبيطلة وهي مدينة على سبعين ميلا من القيروان « 5 » ، فقتل جرجيرا وهو في مائة ألف وصالح بن أبي سرح أهل الحصون ، وأهل المدائن على مائة ألف رطل من الذهب . قال أبو عثمان سعيد بن عفير في تاريخه : ولما سمعت الروم والأزارقة بخروج عبد اللّه بن سعد ووصوله إلى إفريقية ، خرجوا إليه ومعهم جرجير في جمع كثير من الروم ، فلما التقى المسلمون بادر جرجير بالبراز فبرز إليه

--> ( 1 ) في ت : تخرج لنا . ( 2 ) في ت : إليه منا . ( 3 ) في ت : ما اللّه أعلم به . ( 4 ) تشاولنا : تشاول القوم تشاولا إذا تناول بعضهم بعضا عند القتال بالرّماح . مادة « شول » انظر لسان العرب 11 / 377 . ( 5 ) انظر تاريخ خليفة بن خياط ص : 92 ، وفتوح مصر والمغرب ص : 211 .