عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
55
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
مسكا ، وحصاها جوهرا ، وأما تشبيهها بوجوه الأحباب فلا معنى له ، ولا اللفظ يقتضيه ، والرواية فيه كما ذكرنا . قال : وأما فضل القيروان عموما فمعلوم على تعاقب الزمان ، متداول بين الأمم لا يختلف فيه اثنان ، ناهيك من قوم سلفهم الأول أفاضل الصّحابة والتابعين الذين فتح اللّه بهم أقطار المغرب ، وجالت في أرجائه منهم أفضل الجيوش والكتائب ، وعلى أيديهم أسلم سائره ، وانتصفت من طائفة الكفر جنود الحقّ وعساكره ، وأما من جاءه بعدهم فعلماء الدين ، والقدوة لسائر المسلمين ، مصابيح الظّلام ، وأئمة الاقتداء وهم الذين كان تشدّ إليهم الإبل ، وبالجملة فالذي كانت أهل القيروان عليه قديما من قوة الإيمان باللّه ، والانتصار للحق والصبر على الإيذاء في اللّه ، والجهاد لإعزاز الدين ، والقيام بالردّ على أهل الأهواء بالدلائل القاطعة ، والحجج الدامغة ، لتثبيت عقائد عامة الموحدين ، فقد ناضلوا بالسيوف وجادلوا باللسان في تقرير الدين ، وتثبيت قواعد « 1 » اليقين ، فذلك كله شيء لا يسعه ديوان ، ولا يمليه لسان قد ؛ امتحنوا باستيلاء الخوارج « 2 » عليهم من الصفرية « 3 » والأباضية « 4 » ، وكذلك امتحنوا بخلق القرآن في زمن الواثق « 5 » ، وعزم محمد بن
--> ( 1 ) في ت : قواعدهم . ( 2 ) قال الشهرستاني في كتابه الملل والنحل : كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا ، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين ؛ أو كان بعدهم على التابعين بإحسان ، والأئمة في كل زمان . وقد قالوا بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار . وأول من خرج على أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه جماعة ممن كان معه في حرب صفين ، وأشدهم خروجا عليه ومروقا من الدين : الأشعث بن قيس الكندي ، ومسعر بن فدكي التميمي ، وزيد بن حصين الطائي حين قالوا : القوم يدعوننا إلى كتاب اللّه ، وأنت تدعونا إلى السيف ! ص : 114 . ( 3 ) الصفرية : أصحاب زياد ابن الأصفر . انظر عنهم الملل والنحل للشهرستاني ص : 137 . ( 4 ) الأباضية : فرقة من الخوارج انقسمت عليهم لاختلافهم معهم في بعض القضايا العقيدية . مؤسس الإباضية هو عبد اللّه بن إباض المرّي التميمي يعترفون بأبي بكر ، وعمر بن الخطاب فقط من الخلفاء الراشدين ، ولا يجدون الثأر لقتل عثمان أمرا ضروريا . يوجدون حاليا بالجزائر . انظر عن الإباضية الملل والنحل للشهرستاني ص : 134 ، وتاريخ التراث العربي لفؤاد السزكين 2 / 339 . ( 5 ) هو أبو جعفر وقيل أبو القاسم بن المعتصم بن الرشيد ولي الخلافة سنة 227 ه وتوفي سنة 232 ه . كانت خلافته خمس سنين وثلاثة أشهر وخمسة عشر أياما . لقد حمل الناس إلى القول بخلق القرآن ومن امتنع عذّبه أو قتله . انظر عنه تاريخ الطبري 5 / 273 - 292 .