عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

220

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

وعيالنا وصبياننا كذلك ، وأنت ترى اليوم غفلتنا وطول سهونا ، وقلّة دعائنا ، وقلة تضرعنا ، فأيّ الحالتين « 1 » خير ؟ قال : فقلت في نفسي : أنت في شيء والنّاس في شيء [ آخر ] « 2 » وروي أنّ بعض الأندلسيين أتى إلى رباح فقال : يا أبا يزيد أنّ سعيد بن لبيد أخذ مني جارية لي فأخذ رباح عصاه ثم انصرف معه إلى دار سعيد بن لبيد ، فوجد جماعة من الناس قد حفّوا ببابه ينتظرونه فألقى عصاه بينهم وجلس ، حتى خرج سعيد راكبا من داره فلما رآه من كان على بابه من تلك الجماعة نهض على أقدامه ، وثبت رباح جالسا فقصد سعيد إلى رباح ورباح جالس في مكانه ، فقال رباح : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من أحبّ أن يتمثّل له الرّجال قياما فليتبوّأ مقعده من النّار » « 3 » . فقال سعيد : يا أبا يزيد هل من حاجة ؟ فقال له رباح : أردد على هذا الأندلسي جاريته فصاح سعيد بجارية الأندلسي فأخرجت فدفعها إلى مولاها « 4 » . قلت : ما ذكر الشيخ رباح من حمل الحديث على ما ذكره يأتي مثله لأبي عبد الرحمن عبد اللّه بن عمر بن غانم الرّعيني القاضي ، والّذي حمل عليه المحققون إنّما هو من أحبّ أن يتمثّل له الرّجال قياما وهو جالس كعادة السلطان « 5 » في ذلك ، وأما قيام الناس له لوروده عليهم فإنه جائز ، ولم يجعلوا الحديث يتناوله « 6 » . قال : روي أنّ رباحا كان يمشي وبيده قسط زيت ، فرآه القاضي عبد اللّه بن غانم وهو راكب فقال : يا أبا يزيد هات القسط أحمله لك ، فقال له رباح : نعم فأعطاه إياه وجعل رباح يمشي على الرّحاب ومواضع « 7 » الجماعات والقاضي وراءه حتى وصل إلى منزله فقال رباح : إنما فعلت لك هذا لأنه بلغني أنّك تجد في نفسك ، فأردت أن أغضّ منك ، فقال له ابن غانم : جزاك اللّه خيرا « 8 » .

--> ( 1 ) في ت : الحالين . ( 2 ) سقط من : ت . ( 3 ) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب ، باب في قيام الرجل للرجل حديث ( 5229 ) 2 / 530 ، والترمذي في كتاب الأدب ، ( 13 ) باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرّجل ، حديث ( 2764 ) - 4 / 347 . ومطلع الحديث عنده بلفظ : « من سرّه » وقال : « هذا حيث حسن » من رواية أبي مجلز . للمزيد انظر المقاصد الحسنة للسخاوي ص : 460 - 461 رقم 1048 . ( 4 ) الرياض 1 / 304 . ( 5 ) في ت : السّلاطين . ( 6 ) في ت : يتناولونه . ( 7 ) في ت : وموضع . ( 8 ) الطبقات ص : 124 - 125 .