عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
210
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
صيانة فولي عبد اللّه بن غانم القضاء ، فكان عبد اللّه بن غانم يشاوره في مسائل القضاء ، فخاف عبد اللّه بن فروخ أن يتقلّد أمور المسلمين ، وطلب السّلامة بأن يخرج من القيروان إلى الحج ، فلما حجّ وعاد إلى مصر مات بها ، فكانت لموته بمصر فجعة عظيمة في قلوب أهل العلم وقالوا : رجونا أن يكون لنا خلفا من اللّيث بن سعد ، وكانوا يعظّمونه ويعتقدونه لأمانته . قلت : في كلامه بتر لزيادة المالكي بعد قوله يشاوره في مسائل القضاء فقال : لم يا ابن أخي لم أقبلهما أميرا فأقبلها وزيرا . فألحّ عليه في ذلك ابن غانم وشدّد عليه فخاف عبد اللّه بن فروخ إلى آخر ما فوقه وكان يقول : قلت لأبي حنيفة : ما منعك أن تلي القضاء ؟ فقال : يا ابن فروخ : القضاء على ثلاثة أوجه . رجل يحسن العوم ويأخذ البحر طولا . فما عسى أن يعوم يوشك أن يكل فيغرق ، ورجل [ لا يحسن العوم ] « 1 » فعام يسيرا فغرق ، ورجل لا يحسن العوم فألقى بنفسه على الماء فغرق من ساعته ، فهذا يمنعني من الدّخول في القضاء « 2 » . قلت : وهكذا كانت « 3 » المتقدمون يهربون من القضاء لأنّه دخول في عهدة عظيمة ، إذ واجب عليه أن يسوّي بين القويّ والضّعيف والشّريف والمشروف ، ويحكم بما أراه اللّه فلا تأخذه في اللّه لومة لائم ، وبالجملة فعلى قدر هروبهم منه تقرّب أهل زماننا إليه بعضهم بالإشارة وبعضهم بالتّلويح ، وبعضهم بالتّصريح ، وأقبح منه معرفة حاشية السّلطنة ليذكروه لسلطانهم ، ورأيت في زماننا من يرشي عليه [ من يقبل ] « 4 » قوله عند من له النّظر من أمير المؤمنين وقاضي الجماعة ، ولئن طال الأمر هكذا أخاف أن يقع أقبح من هذا ، فهذه مصيبة أصيب المسلمون بها لكونه صار يقدم على الناس من لا يرضى لتلبيس « 5 » من لبّس على أمير المؤمنين ، والواجب عليه أن لا يقدم إلّا أصلح الناس ، ومن إذا امتنع أجبر . ذكر بقية أخباره : كان ابن فروخ لا تأخذه في اللّه لومة لائم .
--> ( 1 ) في الرياض : [ لا بأس بعومه ] 1 / 184 . ( 2 ) الرياض 1 / 184 . ( 3 ) في ط : كانت . التصويب من : ت وهو الصواب . ( 4 ) في ت : ليقبل . ( 5 ) في ت : لتلبّس .