عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
204
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قال : وقال أبو عثمان حاتم بن عثمان المعافري : كنت عند عبد الرحمن بن أنعم وهو يتنفّس الصّعداء ، والكآبة ظاهرة عليه حتّى أتاه شابّ ومعه مخلاة فيها بصل فأسرّ إليه كلاما فأسفر وجهه وتبسّم فقال لغلامه : جئنا بالفول الّذي طبختموه لنا البارحة فجاء به فقال : أقرب يا أبا عثمان ، فقلت : لا ، فقال : ولم أظننت ظنّا ؟ قلت : نعم ، فقال : أحسنت يا أبا عثمان ، إذا رأيت الهديّة دخلت دار القاضي « 1 » ، فاعلم أن الأمانة قد خرجت من كوى « 2 » الدّار ليس هو هدية ، إنما هو مولاي أتى بهذا البصل من ضيعتي ، فقلت له : إنّي رأيتك مغموما ، فلما أتاك غلامك هذا ، تطلّقت وتبسّمت وأسفر وجهك فقال : إني أصبحت فذكرت بعد عهدي بالمصائب ، فخفت أن أكون قد سقطت من عين اللّه عزّ وجل ، فلما أتاني هذا الغلام ، ذكر لي أن أكفي عبيدي وأقومهم بضيعتي قد توفي ، فزال عنّي بعض الغم واسترحت . ولم يزل عبد الرحمن قاضيا على القيروان أيام محمد بن الأشعث والأغلب بن سالم ، وعمرو بن حفص وصدرا من إمارة يزيد بن حاتم ، فعزل نفسه . وكان سبب ذلك فيما رواه سليمان بن عمران القاضي : أنّ امرأة كانت تدخل على نساء يزيد بن حاتم وكانت لها خصومة عند القاضي ، فكتب لها كتاب حكم ، وختم عليه وأعطاها إياه فأخذته ودخلت به دار يزيد ، فقال لها يزيد : ما هذا ؟ فأعلمته فأخذه وفضّ خاتمه ، فصاحت المرأة فقال لها : لا عليك أنا أبعثه إليك مختتما فلما بعث إليه قال : لا أختمه حتى تعيد البينة فبعث إليه مرة أخرى فقال : لا أفعل فلما ولّى رسول يزيد ، أخذ عبد الرحمن خاتمه فكسره وقال : واللّه لا حكمت بين اثنين أبدا . قلت : قال المالكي : ولما جرى له مع يزيد بن حاتم « 3 » ما جرى ، ترك القضاء ورحل إلى تونس ولم يزل معظّما في صدور الناس ، رفيع القدر عندهم حتى توفي رحمه اللّه تعالى ورضي عنه . قال : وتكلم النّاس في نقله الأحاديث ، فقال سحنون بن سعيد عبد الرحمن ثقة . وقال أبو عيسى الترمذي هو مقارب الحديث . وكان يقوّي أمره . وقال أبو
--> ( 1 ) في الرياض : من باب الدار 1 / 158 . ( 2 ) في الرياض : كوة 1 / 158 . ( 3 ) اسم حاتم سقط من : ت .