النووي

679

تهذيب الأسماء واللغات

أن تقول : تصبّبت وتكلّفت حتى عرقت كعرق القربة ، وعرقها : سيلان مائها . قال أبو عبيد : هو أن يقول : تكلفت لك ما لم يبلغه أحد ، حتى تجشمت ما لا يكون ، لأن القربة لا تعرق ، ومثل هذا قولهم : حتى يشيب الغراب ويبيضّ القار . قال الأصمعي : عرق القربة : كلمة معناها : الشّدة ، ولا أدري ما أصلها . قال ابن الأعرابي : علق القربة وعرقها واحد ، وهو : معلاق تحمل فيه القربة . فهذا آخر كلام الأزهري عن حكاية أبي عبيد . عرم : قد تكرر في « الوسيط » لفظ العرامة ، كقوله في باب حد قاطع الطريق : إذا فترت قوة السلطان وثار ذووا العرامة في البلاد . فالعرامة بفتح العين وتخفيف الراء ، يقال : عرم الرجل بكسر الراء وفتحها وضمها ، والعين مفتوحة بكل حال ، فهو عارم : وهو الشرير المفسد ، وقيل : هو الجاهل الشرس . عري : في الأحاديث : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رخص في العرايا « 1 » ، فقد فسّرت في الكتب الثلاثة ، فلا حاجة إلى تفسيرها . قال الهروي : واحدة العرايا : عريّة فعيلة بمعنى مفعولة ، من عراه يعروه ، ويحتمل أن تكون من عري يعرى : كأنها عريت من جملة التحريم ، فعريت ، أي : حلّت وخرجت ، فهي فعيلة بمعنى فاعلة ، ويقال : هو عرو من هذا الأمر ، أي : خلو منه ، قال الأزهري : هي فعيلة بمعنى فاعلة . وقيل : هي مشتقة من عروت الرجل : إذا ألممت به ، لأن صاحبها يتردد إليها . وقيل : سميت بذلك لتخلي صاحبها الأول عنها من بين سائر نخيله ، وقيل غير ذلك . قوله في باب ستر العورة من « المهذب » : وإن اجتمع نساء عراة . هكذا وقع في الكتاب : عراة ، وهو لحن ، وصوابه : عاريات ، كضاربة وضاربات . قوله : كانوا يطوفون بالبيت عراة ، حكى أبو الوليد الأزرقي في « تاريخ مكة » : أن الذين كانوا يطوفون عراة هم : العرب العرباء ، غير قريش أهل مكة ، فأما أهل مكة قريش فإنهم كانوا يطوفون مستترين . ثم روى الأزرقي : أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة ، إلا قريشا وأحلافها ، فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه خارج المسجد ، قال : وقال ابن جريج : لما أن أهلك اللّه أبرهة صاحب الفيل وسلط عليه الطير الأبابيل ، عظّم جميع العرب قريشا وأهل مكة ، وقالوا : هم أهل اللّه قاتل عنهم وكفاهم مؤونة عدوهم ، فازدادوا في تعظيم الحرم والمشاعر الحرام ، ورأوا أن دينهم خير الأديان ، وقالت قريش وأهل مكة : نحن أهل اللّه بنو إبراهيم خليل اللّه ، وولاة البيت الحرام وسكان حرمه ، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا ، ولا تعرف العرب لأحد مثل ما عرف لنا ، فابتدعوا عند ذلك أحداثا في دينهم أداروها بينهم ، فقالوا : لا تعظموا شيئا من الحل كما تعظموا الحرم ، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم ، فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها ، وهم يعتقدون أنها من المشاعر العظام ، ودين إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم ، ويقرون سائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها ، وقالوا : نحن لا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم ولا نعظم غيره ، ثم جعلوا لمن ولد من سائر العرب من سكان الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم ، يحل لهم ما يحل لهم ، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم ، وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك ، ثم ابتدعوا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 2173 ) ، ومسلم ( 1539 ) .