النووي
56
تهذيب الأسماء واللغات
وروينا عن محمد بن يعقوب الحافظ ، عن أبيه ، قال : رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبي لمعلّم . وروينا عن الإمام مسلم ابن الحجاج أنه قال للبخاري : لا يبغضك إلا حاسد ، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك . وروى الحاكم أبو عبد اللّه في « تاريخ نيسابور » بإسناده عن أحمد بن حمدون ، قال : جاء مسلم بن الحجاج إلى البخاري فقبّل بين عينيه ، وقال : دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين ، وسيّد المحدثين ، ويا طبيب الحديث في علله . وروينا عن حاشد بن إسماعيل قال : كان أهل البصرة يعدون خلف البخاري في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ، ويجلسوه في الطريق ، ويجتمع عليه ألوف ، أكثرهم ممن يكتب عنه . وكان البخاري إذ ذاك شابا لم يخرج وجهه . وروينا عن أبي بكر الأعين قال : كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفريابي ، وما في وجهه شعرة . وروينا عن الحافظ صالح بن محمد جزرة قال : كان البخاري يجلس ببغداد ، وكنت أستملي له ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفا . وروينا عن محمد بن يوسف بن عاصم قال : كان للبخاري ثلاثة مستملين ، واجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفا . وروينا عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة قال : ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من محمد بن إسماعيل البخاري . قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي : وحسبك بإمام الأئمة ابن خزيمة يقول فيه هذا القول مع لقيّه الأئمة والمشايخ شرقا وغربا . قال أبو الفضل : ولا عجب فيه ؛ فإن المشايخ قاطبة أجمعوا على تقدمه ، وقدّموه على أنفسهم في عنفوان شبابه ، وابن خزيمة إنما رآه عند كبره وتفرده في هذا الشأن . وروينا عن إبراهيم بن محمد بن سلام - بتخفيف اللام على الأصح ، وقيل : بتشديدها - قال : إن الرّتوت من أصحاب الحديث مثل سعيد ابن أبي مريم المصري ، ونعيم بن حمّاد ، والحميدي ، والحجاج بن منهال ، وإسماعيل بن أبي أويس ، والعدني ، والحسن الخلال ، ومحمد بن ميمون صاحب ابن عيينة ، ومحمد بن العلاء ، والأشج ، وإبراهيم بن المنذر الحزامي ، وإبراهيم بن موسى الفراء ، كلّهم كانوا يهابون محمد بن إسماعيل ويقضون له على أنفسهم في النظر والمعرفة . قلت : الرّتوت : الرؤساء ، قاله ابن الأعرابي وغيره . وذكر الحاكم أبو عبد اللّه البخاريّ فقال : هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل . واعلم أن وصف البخاري رحمه اللّه بارتفاع المحل والتقدم في هذا العلم على الأماثل والأقران ، متفق عليه فيما تأخر وتقدم من الأزمان ، ويكفي في فضله أن معظم من أثنى عليه ونشر مناقبه شيوخه الأعلام المبرّزون والحذاق المتقنون . فصل في الإشارة إلى بعض شيوخه والآخذين عنه والمنتمين إليه والمستفيدين منه هذا الباب واسع جدا لا يمكن استقصاؤه ، فأنبّه على جماعة من كل إقليم وبلد ليستدلّ بذلك على اتساع رحلته ، وكثرة روايته ، وعظم عنايته . فأما شيوخه ، فقال الحاكم أبو عبد اللّه في « تاريخ نيسابور » : ممن سمع منه البخاري رحمه اللّه تعالى بمكة أبو الوليد أحمد بن محمد الأزرقي ، وعبد اللّه بن يزيد المقرئ ، وإسماعيل بن سالم الصائغ ، وأبو بكر عبد اللّه بن