النووي

533

تهذيب الأسماء واللغات

فهو واجب . الثاني : حفظ غريب الكتاب والسّنة من اللّغة . الثالث : تدوين أصول الدين وأصول الفقه . الرابع : الكلام في الجرح والتعديل وتمييز الصحيح من السّقيم ، وقد دلّت قواعد الشريعة على أنّ حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعيّن ، ولا يتأتّى ذلك إلا بما ذكرناه . وللبدع المحرّمة أمثلة ، منها : مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسّمة ، والردّ على هؤلاء من البدع الواجبة . وللبدع المندوبة أمثلة ، منها : إحداث الرّبط والمدارس ، وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول ، ومنها : التراويح ، والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل ، ومنها جمع المحافل للاستدلال إن قصد بذلك وجه اللّه تعالى . وللبدع المكروهة أمثلة : كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف . وللبدع المباحة أمثله ، منها : المصافحة عقب الصّبح والعصر ، ومنها : التوسّع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن ، ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام ، وقد يختلف في بعض ذلك ، فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ، ويجعله آخرون من السّنن المفعولة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فما بعده ، وذلك كالاستعاذة في الصلاة والبسملة . هذا آخر كلامه . وروى البيهقي بإسناده في « مناقب الشافعي » عن الشافعي رضي اللّه عنه قال : المحدثات من الأمور ضربان ، أحدهما : ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة ، أو أثرا ، أو إجماعا ، فهذه البدعة الضلالة . والثانية : ما أحدث من الخير ، لا خلاف فيه لواحد من العلماء ، وهذه محدثة غير مذمومة ، وقد قال عمر رضي اللّه عنه في قيام شهر رمضان : نعمت البدعة هذه « 1 » ، يعني : أنها محدثة لم تكن ، وإذا كانت ليس فيها ردّ لما مضى . هذا آخر كلام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه . بدا : بلا همزة ، قال أهل اللغة : بدا الشيء يبدو بدوّا ، بتشديد الواو كقعد قعودا ، أي : ظهر ، وابتديته : أظهرته ، وبدا القوم بدوا : خرجوا إلى البادية ، كقتلوا قتلا ، وبدا له في الأمر بلا همزة ، بداء وبدا بالمد والقصر ، حكاه عياض ، أي : حدث له فيه رأي لم يكن ، وهو ذو بدوات ، أي : يتغيّر رأيه ، ومنه قوله في مسح الخف : « امسح سبعا وما بدا لك » « 2 » ، والبداء : محال على اللّه تعالى بخلاف النسخ . والبدو والبادية بمعنى ، ومنه الحديث في باب صلاة الجماعة « ما من ثلاثة في قرية أو بدو » « 3 » ، والنسب إليه بدوي ، وفي الحديث : « من بدا جفا » « 4 » ، أي : من نزل البادية صار فيه جفاء الأعراب ، والبداوة : الإقامة في البادية ، قال الجوهري : بكسر الباء وفتحها ، وهي خلاف الحضارة ، قال : قال ثعلب : لا أعرف فتحها إلا عن أبي زيد وحده ، والنسبة إليه : بداويّ ، وباداه بالعداوة ، أي : جاهره ، وتبادوا بالعداوة : تجاهروا ، وتبدّى : أقام بالبادية ، وتبادى : تشبّه بأهل البادية ، وأهل المدينة يقولون : بدينا ، بمعنى : بدأنا . هذا كلّه كلام الجوهري .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 2010 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 158 ) ، وابن ماجة ( 557 ) . قال أبو داود : اختلف في إسناده ، وليس هو بالقوي . ( 3 ) أخرجه أبو داود ( 547 ) ، والنسائي ( 847 ) . ( 4 ) أخرجه أحمد 2 / 371 ، 440 ، و 4 / 297 .