النووي
52
تهذيب الأسماء واللغات
بتوفيق خالقه معرفته حتى استطال به من لم يكن يميّز ، وألفوا الكتب وناظروا المخالفين ، ثم ما منّ اللّه تعالى به عليه من منطقه الذي لا يدانى فيه ، وما وقاه من شحّ نفسه ، فأولئك هم المفلحون ، وسماحته وجوده وجميل سيرته وورعه ، ونسبه . . . ثم ساق الكلام إلى أن قال : وما علمت أحدا كان في عصره أمنّ على الإسلام منه لما نشر من الحق ، وقمع من الباطل ، وأظهر من الحجج ، وعلّم من الخير . رحمة اللّه ورضوانه عليه ، وشكر اللّه له جميع ذلك ، وجمع بيننا وبين محمد صلّى اللّه عليه وسلم والصالحين من عباده وبينه في جنته مع جميع الأحبة ، إنه لطيف خبير . وقال داود : كنت عند أبي ثور فدخل رجل ، فقال : يا أبا ثور ، ما ترى هذه المصيبة النازلة بالناس ! قال : ما هي ؟ قال : يقولون : الثوري أفقه من الشافعي ، فقال : سبحان اللّه العظيم ! أو قالوها ؟ قال : نعم ، قال : نحن نقول : الشافعي أفقه من إبراهيم النخعي وذويه ، وجاءنا هذا بالثوري . وقال إبراهيم الحربي : قدم الشافعي بغداد وفي الجامع الغربي عشرون حلقة لأصحاب الرأي ، فلما كان في الجمعة لم يثبت منها إلا ثلاث حلق أو أربع . وقال هلال بن العلاء : أصحاب الحديث عيال على الشافعي ، فتح لهم الأقفال . وقال أبو العباس بن سريج : من أراد الظّرف فعليه بمذهب الشافعي ، وقراءة أبي عمرو ، وشعر ابن المعتز . وقال الجاحظ : نظرت في كتب هؤلاء المتابعة فلم أر أحسن تأليفا من الشافعي ، كأن فاه ينظم . وأنشد نفطويه شعرا : مثل الشافعيّ في العلما * مثل البدر في نجوم السّما وهي أبيات كثيرة مشهورة . وأقوال السلف في مدحه غير محصورة ، وفيما ذكرته أبلغ كفاية للمستبصر . فصل فيمن روى الشافعي عنهم من علماء الحجاز واليمن ومصر والعراق وخراسان قال الدارقطني : منهم من أهل مكة : سفيان وفلان وفلان وفلان ، ثم ذكرهم . وذكرهم الحاكم أبو عبد اللّه وآخرون ، وجمعهم البيهقي ، وكذلك ذكروا من أصحابه الذين سمعوا منه وتفقهوا عليه خلائق معروفين من أعلام الأئمة وغيرهم ، كأحمد بن حنبل ، وأبي ثور ، والحميدي ، والبويطي ، والمزني ، وغيرهم . ولما حضرت الوفاة الشافعي وصّى أن يكون القاعد في حلقته وخليفته البويطي ، وستأتي مناقبه في ترجمته إن شاء اللّه « 1 » ، وهو أبو يعقوب يوسف بن يحيى . فصل [ في صفاته الظاهرية ] كان الشافعي رضي اللّه عنه يخضب لحيته بالحناء ، وتارة بصفرة اتباعا للسنة ، وكان طويلا سابل الخدين ، قليل لحم الوجه ، خفيف العارضين ، طويل العنق طويل القصب ، آدم ، يخضب لحيته بالحناء قانئة ، وفي وقت بصفرة ، حسن الصوت ، حسن السّمت ، عظيم العقل ، حسن الوجه حسن الخلق ، مهيبا فصيحا ، إذا أخرج لسانه بلغ أنفه ، وكان كثير الأسقام . وقولهم : طويل القصب ، قال الأصمعي : هو عظم العضد والفخذ والسّاق ، فكل عظم منها قصبة . وقولهم : سابل الخدّين ، أي : رقيقهما مستطيلهما . والقانئة بالهمزة هي : شديدة الحمرة . وقال يونس بن عبد الأعلى : ما رأيت أحدا لقي من السقم ما لقي الشافعي . وسبب هذا واللّه أعلم لطف اللّه تعالى به ، ومعاملته بمعاملة الأولياء ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح : « نحن معاشر الأنبياء أشدّ بلاء ، ثم الأمثل فالأمثل » « 2 » .
--> ( 1 ) ذهل المصنف رحمه اللّه فلم يترجم له ترجمة وافية ، انظر ما سيأتي برقم ( 897 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد 1 / 172 ، والترمذي ( 2398 ) ، وابن ماجة ( 4023 ) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه .