النووي

53

تهذيب الأسماء واللغات

وقال الربيع : كان الشافعي حسن الوجه ، حسن الخلق ، محبّبا إلى كل من كان بمصر في وقته من الفقهاء والنبلاء والأمراء ، كلهم يجلّ الشافعي ويعظمه ، وكان مقتصدا في لباسه ، ويتختم في يساره ، نقش خاتمه : كفى باللّه ثقة لمحمد بن إدريس ، وكان مجلسه مصونا ، وكان إذا خيض في مجلسه في الكلام نهى عنه ، وكان ذا معرفة تامة بالطّبّ والرمي ، حتى كان يصيب عشرة من عشرة . قال الربيع : وكان الشافعي أشجع الناس وأفرسهم ، وكان يأخذ بأذنه وأذن الفرس والفرس يعدو ، وكان ذا معرفة بالفراسة ، وكان مع حسن خلقه مهيبا ، حتى قال الربيع وهو صاحبه وخادمه : واللّه ما اجترأت أن أشرب والشافعي ينظر إليّ هيبة له . فصل في منثور من أحوال الشافعي رحمه اللّه قال الربيع : سمعت الشافعي يقول : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في المنام قبل حلمي ، فقال لي : يا غلام ، فقلت : لبيك يا رسول اللّه ، قال : ممن أنت ؟ قلت : من رهطك ، قال : ادن مني ، فدنوت منه ، ففتح فمي فأمرّ من ريقه على لساني وفمي وشفتي ، وقال : امض بارك اللّه فيك ، فما أذكر أني لحنت في حديث بعد ذلك ولا شعر . وعن أبي الحسن علي ابن أحمد الدّينوري الزاهد قال : رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في المنام ، فقلت : يا رسول اللّه ، بقول من آخذ ؟ فأشار إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فقال : خذ بيد هذا فأت به ابن عمنا الشافعيّ ليعمل بمذهبه فيرشد ويبلغ باب الجنة . ثم قال : الشافعي بين العلماء كالبدر بين الكواكب . وقال الشافعي : ما ناظرت أحدا قط على الغلبة ، وفي رواية : ما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة . وقال أبو عثمان محمد ابن الشافعي : ما سمعت أبي ناظر أحدا قط فرفع صوته . وقال الربيع : رأيت الشافعي ما لا أحصي ، وكان إذا انصرف اتّشح بردائه ، ووضعت له منارة قصيرة ، واتكأ على وسادة وتحته ممصّرتان ، ويأخذ القلم فلا يزال يكتب . وقال الربيع : سمعت الشافعي يقول : أريت في المنام كأن آتيا أتاني ، فحمل كتبي فبثّها في الهواء ، فسألت بعض المعبّرين فقال : إن صدقت رؤياك لم يبق بلد من بلاد الإسلام إلا ودخل علمك فيه . وقال حرملة : رأيت الشافعي يقرئ الناس في المسجد الحرام وهو ابن ثلاث عشرة سنة . وقال بحر بن نصر : كنا إذا أردنا أن نبكي قمنا إلى الشافعي ، فإذا أتيناه استفتح القراءة حتى تساقطوا وكثر عجيجهم بالبكاء ، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة ، لحسن صوته . وقال الربيع : سمعت الشافعي يقول : الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص . وقال : أحبّ أن تكثروا الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وقال المزني : ما رأيت من العلماء من يوجب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم في كتبه ما يوجبه الشافعي لحسن ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وقال الشافعي في القديم : إن الدعاء يتم بالصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتتمته بها . وقال الكرابيسي : سمعت الشافعي يقول : يكره أن يقول الرجل : قال الرسول ، لكن يقول : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، تعظيما له . وقال حرملة : سمعت الشافعي يقول : سمّيت ببغداد ناصر الحديث . وقال المزني : ناحت الجنّ ليلة مات الشافعي رضي اللّه عنه . وقال الإمام الحافظ محمد بن مسلم بن وارة - بالراء - : لما مات أبو زرعة الرازي رأيته في المنام فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ قال : قال لي الجبار سبحانه وتعالى : ألحقوه بأبي عبد اللّه ، وأبي عبد اللّه ، وأبي عبد اللّه . الأول : مالك ، والثاني : الشافعي ، والثالث : أحمد