النووي
43
تهذيب الأسماء واللغات
الحذّاق المتقنين ، فبحث مذاهبهم وسبرها ، وتحقّقها وخبرها ، فلخّص منها طريقة جامعة للكتاب والسنة ، والإجماع والقياس ، ولم يقتصر على بعض ذلك كما وقع لغيره ، وتفرّغ للاختيار والتكميل والتنقيح مع كمال قوته وعلو همّته وبراعته في جميع أنواع الفنون ، واضطلاعه منها أشد اضطلاع ، وهو المبرّز في الاستنباط من الكتاب والسنة ، البارع في معرفة الناسخ والمنسوخ ، والمجمل والمبيّن ، والخاص والعام ، وغيرها من تقاسيم الخطاب ، فلم يسبقه أحد إلى فتح هذا الباب ، لأنه أول من صنّف أصول الفقه بلا اختلاف ولا ارتياب . وهو الذي لا يساوى بل لا يدانى في معرفة كتاب اللّه تعالى ، وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وردّ بعضها إلى بعض ، وهو الإمام الحجة في لغة العرب ونحوهم ، فقد اشتغل في العربية عشرين سنة مع بلاغته وفصاحته ، ومع أنه عربي اللسان والدار والعصر ، وبها يعرف الكتاب والسنة . قال عبد الملك بن هشام صاحب « المغازي » إمام أهل مصر في عصره في اللغة والنحو : الشافعي حجّة في اللغة . وكان إذا شكّ في شيء من اللغة بعث إلى الشافعي فسأله عنه . وقال أبو عبيد : كان الشافعي ممن تؤخذ عنه اللغة . وقال أيوب بن سويد : خذوا عن الشافعي اللغة . وقال أبو عثمان المازني : الشافعي عندنا حجة في النحو . وقال الأصمعيّ : صحّحت أشعار الهذليّين على شاب من قريش بمكة يقال له : محمد بن إدريس . وقال محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : أروي لثلاث مائة شاعر مجنون . وقال الزبير بن بكار : أخذت شعر هذيل ووقائعها وأيامها من عمي مصعب ، وقال : أخذتها من الشافعي حفظا . وأقاويل العلماء في هذا كثيرة . وهو الذي قلّد المنن الجسيمة أهل الآثار وحملة الحديث ونقلة الأخبار ، بتوقيفه إياهم على معاني السنن ، وتبيينه وقذفه بالحق على باطل مخالفي السنن وتمويههم ، فنعشهم بعد أن كانوا خاملين ، وظهرت كلمته على جميع المخالفين ، ودمغهم بواضحات البراهين ، حتى ظلّت أعناقهم لها خاضعين . قال محمد بن الحسن رحمه اللّه : إن تكلم أصحاب الحديث يوما فبلسان الشافعي ؛ يعني لما وضع من كتبه . وقال الحسن بن محمد الزعفراني : كان أصحاب الحديث رقودا ، فأيقظهم الشافعي فتيقظوا . وقال أحمد بن حنبل : ما أحد مسّ بيده محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في رقبته منّة . فهذا قول إمام أصحاب الحديث وأهله ، ومن لا يختلف الناس في ورعه وفضله . ومن ذلك أن الشافعي رحمه اللّه مكّنه اللّه تعالى من أنواع العلوم حتى عجز لديه المناظرون من الطوائف وأصحاب الفنون ، واعترف بتبريزه وأذعن الموافقون والمخالفون في المحافل الكثيرة المشهورة المشتملة على أئمة عصره في البلدان . وهذه المناظرات موجودة في كتبه وكتب العلماء ، معروفة عند المتقدمين والمتأخرين . وفي كتاب « الأم » للشافعي رحمه اللّه من هذه المناظرات جمل من العجائب والنفائس الجليلات والقواعد المستفادات ، وكم من مناظرة واقعة ، يقطع كل من وقف عليها وأنصف وصدق ، أنه لم يسبق إليها . ومن ذلك أنه تصدّر في عصر الأئمة المبرزين للإفتاء والتدريس والتصنيف ، وقد أمره بذلك شيخه أبو خالد مسلم بن خالد الزّنجي إمام أهل مكة ومفتيها ، وقال له : أفت يا أبا عبد اللّه ، فقد واللّه آن لك أن تفتي . وكان للشافعي إذ ذاك خمس عشرة