النووي

44

تهذيب الأسماء واللغات

سنة ، وأقاويل أهل عصره في هذا كثيرة مشهورة ، وأخذ عن الشافعي رحمه اللّه العلم في سن الحداثة مع توفر العلماء في ذلك العصر ، وهذا من الدلائل الصريحة لعظم جلالته ، وعلو مرتبته ، وهذا كله مشهور في كتب مناقبه وغيرها . ومن ذلك شدة اجتهاده في نصرة الحديث واتباع السنة ، وجمعه في مذهبه بين أطراف الأدلة مع الإتقان والتحقيق ، والغوص التام على المعاني والتدقيق ، حتى لقّب حين قدم العراق بناصر الحديث ، وغلب في عرف العلماء المتقدمين والفقهاء الخراسانيين على متّبعي مذهبه لقب أصحاب الحديث في القديم والحديث . وقد روينا عن إمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة - وكان من حفظ الحديث ومعرفة السنة بالغاية العالية - أنه سئل : هل سنّة صحيحة لم يودعها الشافعي كتبه ؟ قال : لا . ومع هذا فاحتاط الشافعي رحمه اللّه لكون الإحاطة ممتنعة على البشر ، فقال ما هو ثابت عنه من أوجه من وصيّته بالعمل بالحديث الصحيح ، وترك قوله المخالف للنص الثابت الصريح ، وقد امتثل أصحابنا رحمهم اللّه وصيّته ، وعملوا بها في مسائل كثيرة مشهورة ، كمسألة التثويب في أذان الصبح ، واشتراط التحلل في الحج بعذر المرض ، ونحوه ، وغير ذلك مما هو معروف . ولكن لهذا شرط قلّ من يتّصف به في هذه الأزمان ، وقد أوضحته في مقدمة « شرح المهذب » . ومن ذلك تمسكه بالأحاديث الصحيحة ، وإعراضه عن الأخبار الواهية والضعيفة ، ولا أعلم أحدا من الفقهاء اعتنى في الاحتجاج بالتّمييز بين الصحيح والضعيف كاعتنائه ، ولا قريبا منه ، فرضي اللّه عنه ، وهذا واضح جليّ في كتبه ، وإن كان أكثر أصحابنا لم يسلكوا طريقته في هذا . ومن ذلك أخذه رحمه اللّه بالاحتياط في مسائل العبادات وغيرها مما هو معروف . ومن ذلك شدة اجتهاده في العبادة ، وسلوك طرائق الورع والسخاء والزّهادة ، وهذا من خلقه وسيرته مشهور معروف ، ولا يتمارى فيه إلا جاهل أو ظالم عسوف ، فكان رضي اللّه عنه بالمحل الأعلى من متانة الدين ، وهذا مقطوع بمعرفته عند الموافقين والمخالفين . وليس يصحّ في الأذهان شيء * إذا احتاج النّهار إلى دليل وأما سخاؤه وشجاعته وكمال عقله وبراعته ، فإنه مما اشترك الخواصّ والعوام في معرفته ، فلا أستدلّ عليه لشهرته ، وكل هذا مشهور في كتب المناقب ، مرويّ من طرق . ومن ذلك ما جاء في الحديث المشهور : « أن عالم قريش يملأ طباق الأرض علما » « 1 » ، وحمله العلماء المتقدمون والمتأخرون على الشافعي رحمه اللّه ، واستدلوا له بأنه لم ينقل عن الصحابة رضي اللّه عنهم إلا مسائل معدودة ، إذ كانت فتاويهم مقصورة على الوقائع ، بل كانوا ينهون عن السؤال عما لم يقع ، وكانت همّتهم مصروفة إلى جهاد الكفار لإعلاء كلمة الإسلام ، وإلى مجاهدة النفوس والعبادة ، فلم يتفرّغوا للتّصنيف . وكذلك التابعون ، لم يصنّفوا ، وأما من جاء بعدهم وصنّف الكتب فلم يكن فيهم قرشي يتصف بهذه الصفة قبل الشافعيّ ولا بعده إلا هو . وقد قال الساجي رحمه اللّه في أول كتابه

--> ( 1 ) أخرجه الطيالسي في « مسنده » ( 309 ) ، وابن أبي عاصم في « السنة » ( 1522 ) من حديث ابن مسعود ، وسنده ضعيف جدا ، وأخرجه ابن أبي عاصم أيضا ( 1523 ) من حديث أبي هريرة ، وسنده ضعيف .