النووي

42

تهذيب الأسماء واللغات

وكذلك أهل عصرهما ومن بعدهما ، وكان القطان وأحمد بن حنبل يدعوان للشافعي رضي اللّه عنهم أجمعين في صلاتهما لما رأيا من اهتمامه بإقامة الدين ونصر السنة وفهمها واقتباس الأحكام منها . وأجمع الناس على استحسان « رسالته » ، وأقوال السلف في ذلك مشهورة بأسانيدها . قال المزني : قرأت « الرسالة » خمس مائة مرة ، ما من مرة إلا واستفدت منها فائدة جديدة . وقال المزني أيضا : أنا انظر في « الرسالة » من خمسين سنة ، ما أعلم أني نظرت فيها مرة إلا استفدت منها شيئا لم أكن عرفته . فلما اشتهرت جلالة الشافعي رحمه اللّه في العراق ، وسار ذكره في الآفاق ، وأذعن بفضله الموافقون والمخالفون ، واعترف به العلماء أجمعون ، وعظمت عند الخلائق وولاة الأمور مرتبته ، واستقرت عندهم جلالته وإمامته ، وظهر من فضله في مناظراته أهل العراق وغيرهم ما لم يظهر لسواه ، وأظهر من بيان القواعد ومهمّات الأصول ما لم يعرف لمن عداه ، وامتحن في مواطن كثيرة مما لا يحصى من المسائل ، فكان جوابه فيها من الصواب والسداد بالمحل الأعلى ، والمقام الأسنى ، عكف عليه للاستفادة منه الصغار والكبار ، والأئمة الأخيار من أهل الحديث والفقه وغيرهم ، ورجع كثير منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه ، وتمسكوا بطريقته ، كأبي ثور وخلائق من الأئمة ، وترك كثير منهم الأخذ عن شيوخهم وكبار الأئمة لانقطاعهم إلى الشافعي حين رأوا عنده ما لا يجدون عند غيره ، وبارك اللّه الكريم له ولهم في تلك العلوم الباهرة ، والمحاسن المتظاهرة ، والخيرات المتكاثرة ، وللّه الحمد على ذلك وعلى سائر نعمه التي لا تحصى . وصنف في العراق كتابه القديم المسمى كتاب « الحجّة » ، ويرويه عنه أربعة من كبار أصحابه العراقيين ، وهم : أحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، والزعفرانيّ ، والكرابيسيّ . وأتقنهم له رواية الزعفرانيّ . ثم خرج الشافعي رحمه اللّه إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة ، وقال أبو عبد اللّه حرملة بن يحيى : قدم الشافعيّ مصر سنة تسع وتسعين ومائة ، وقال الربيع : سنة مائتين ، ولعله قدم في آخر سنة تسع جمعا بين الروايتين . وصنّف كتبه الجديدة كلّها بمصر ، وسار ذكره في البلدان ، وقصده الناس من الشام واليمن والعراق وسائر النواحي والأقطار ، للتفقه عليه ، والرواية عنه ، وسماع كتبه منه ، وأخذها عنه ، وساد أهل مصر وغيرهم ، وابتكر كتبا لم يسبق إليها ، منها أصول الفقه ، وكتاب القسامة ، وكتاب الجزية ، وكتاب قتال أهل البغي وغيرها . قال الإمام أبو الحسين محمد بن عبد اللّه بن جعفر الرازي في كتابه « مناقب الشافعي » : سمعت أبا عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري ، قال : سمعت محمد بن أحمد بن سفيان الطرائفي البغدادي يقول : سمعت الربيع بن سليمان يوما ، وقد حطّ على باب داره تسع مائة راحلة في سماع كتب الشافعي رحمه اللّه ورضي عنه . فصل في تلخيص جملة من أحوال الشافعي اعلم أنه رضي اللّه عنه كان من أنواع المحاسن بالمحل الأعلى والمقام الأسنى ، لما جمعه اللّه الكريم له من الخيرات ، ووفّقه له من جميل الصفات ، وسهّله عليه من أنواع المكرمات . فمن ذلك شرف النّسب الطاهر ، والعنصر الباهر ، واجتماعه هو ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في النسب ، وذلك غاية الشرف ، ونهاية الحسب . ومن ذلك شرف المولد والمنشأ ، فإنه ولد بالأرض المقدسة ، ونشأ بمكة . ومن ذلك أنه جاء بعد أن مهّدت الكتب وصنّفت ، وقرّرت الأحكام ونقّحت ، فنظر في مذاهب المتقدمين وأخذ من الأئمة المبرّزين ، وناظر