النووي

41

تهذيب الأسماء واللغات

حمل إلى مكة وهو ابن سنتين ، وتوفي بمصر سنة أربع ومائتين ، وهو ابن أربع وخمسين سنة . قال الرّبيع : توفي الشافعي رحمه اللّه تعالى ليلة الجمعة بعد المغرب وأنا عنده ، ودفن بعد العصر يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين ، وقبره رحمه اللّه تعالى بمصر ، عليه من الجلالة وله من الاحترام ما هو لائق بمنصب ذلك الإمام . قال الربيع : رأيت في النوم أن آدم صلّى اللّه عليه وسلم مات ، فسألت عن ذلك ، فقيل : هذا موت أعلم أهل الأرض ، لأن اللّه تعالى علّم آدم الأسماء كلّها ، فما كان إلا يسير فمات الشافعي رحمه اللّه . ورأى غيره ليلة مات الشافعي قائلا يقول : الليلة مات النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . وحزن الناس لموته الحزن الذي يوازي رزيّتهم به . فصل [ في نشو الشافعي ] نشأ الشافعي رضي اللّه عنه يتيما في حجر أمه ، في قلة عيش وضيق حال ، وكان في صباه يجالس العلماء ، ويكتب ما يستفيده في العظام ونحوها لعجزه عن الورق ، حتى ملأ منها حبابا « 1 » . عن مصعب بن عبد اللّه الزّبيري قال : كان الشافعي رحمه اللّه في ابتداء أمره يطلب الشّعر وأيام العرب والأدب ، ثم أخذ في الفقه ، قال : وكان سبب أخذه فيه أنه كان يسير يوما على دابّة له وخلفه كاتب لأبي ، فتمثل الشافعي ببيت شعر ، فقرعه كاتب أبي بسوطه ، ثم قال له : مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا ، أين أنت من الفقه ؟ ! فهزّه ذلك ، فقصد مجالسة مسلم بن خالد الزّنجي مفتي مكة ، ثم قدم علينا - يعني المدينة - فلزم مالكا رحمه اللّه . وعن الشافعي قال : كنت انظر في الشّعر ، فارتقيت عقبة بمنى ، فإذا صوت من خلفي [ يقول ] : عليك بالفقه . وعن الحميدي قال : قال الشافعي : خرجت أطلب النحو والأدب ، فلقيني مسلم بن خالد الزنجي ، فقال : يا فتى من أين أنت ؟ قلت : من أهل مكة ، قال : أين منزلك ؟ قلت : بشعب الخيف . قال : من أي قبيلة أنت ؟ قلت : من عبد مناف ، فقال : بخ بخ ! لقد شرّفك اللّه في الدنيا والآخرة ، ألا جعلت فهمك هذا في الفقه فكان أحسن بك . فصل [ في رحلته إلى المدينة ] فلما أخذ الشافعي رحمه اللّه في الفقه ، وحصّل منه على مسلم بن خالد الزنجي وغيره من أئمة مكة ما حصّل ، رحل إلى المدينة قاصدا الأخذ عن أبي عبد اللّه مالك بن أنس رضي اللّه عنه ، ورحلته مشهورة ، فيها مصنّف معروف مسموع ، وأكرمه مالك رحمه اللّه وعامله لنسبه ، وعلمه ، وفهمه ، وعقله ، وأدبه بما هو اللائق بهما ، وقرأ « الموطأ » على مالك حفظا فأعجبته قراءته ، فكان مالك يستزيده من القراءة لإعجابه من قراءته ، ولازم مالكا فقال له : اتق اللّه ، فإنه سيكون لك شأن . وفي رواية أنه قال له : إن اللّه تعالى قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بالمعصية . وكان للشافعي حين أتى مالكا ثلاث عشرة سنة . ثم ولي باليمن ، واشتهر من حسن سيرته وحمله الناس على السّنة والطرائق الجميلة أشياء كثيرة معروفة . ثم رحل إلى العراق وجدّ في الاشتغال بالعلم ، وناظر محمد بن الحسن وغيره ، ونشر علم الحديث ، وأقام مذهب أهله ، ونصر السّنة ، وشاع ذكره وفضله ، وتزايد تزايدا ملأ البقاع ، وطلب منه عبد الرحمن بن مهدي إمام أهل الحديث في عصره أن يصنّف كتابا في أصول الفقه ، وكان عبد الرحمن ويحيى بن سعيد القطان يعجبان بكتاب « الرسالة » ،

--> ( 1 ) جمع : حبّ ، وهو الجرّة الضخمة .