النووي
338
تهذيب الأسماء واللغات
ثم انتقل إلى دمشق ، فأقام بها سبع سنين ، يحدث ويدرّس الفقه ويفتي ، على طريقة واحدة من الزهد في الدنيا ، والتنزه من الدنايا ، والجري على منهاج السلف من التقشف ، وتجنب السلاطين ، ورفض الطمع ، والاجتزاء باليسير مما يصل إليه من غلّة أرض له كانت بنابلس ، يأتيه منها ما يقتاته ، ولا يقبل من أحد شيئا ، وكانت أوقاته كلها مستغرقة في عمل الخير ، إما في نشر علم وإما في صلاح عمل . قال الحافظ : وحكي عن بعض أهل العلم قال : صحبت إمام الحرمين أبا المعالي بخراسان ، ثم قدمت العراق فصحبت الشيخ أبا إسحاق الشّيرازي ، وكانت طريقته عندي أفضل من طريقة أبي المعالي ، ثم قدمت الشام فرأيت الفقيه أبا الفتح نصرا المقدسي ، فكانت طريقته أحسن من طريقتهما جميعا . توفي يوم الثلاثاء التاسع من المحرم سنة تسعين وأربع مائة بدمشق ، قال الراوي : فخرجنا بجنازته بعد صلاة الظهر ، فلم يمكنا دفنه إلى قرب المغرب ، لأن الناس حالوا بيننا وبينه ، وكان الخلق متوافرين ، ذكر الدمشقيون أنهم لم يروا جنازة مثلها ، قال : وأقمنا على قبره سبع ليال نقرأ كل ليلة عشرين ختمة . وذكر الحافظ من كراماته وزهده جملا نفيسة . قلت : وقبره بباب الصغير بجنب قبر معاوية وأبي الدّرداء رضي اللّه عنهم ، يكثر الناس زيارته والدعاء عنده ، وسمعنا الشيوخ يقولون : يستجاب الدعاء عنده يوم السبت « 1 » ، رضي اللّه عنه . وله مصنفات كثيرة في المذهب وغيره ، فعندي من مصنفاته كتاب « الحجّة على تارك المحجّة » ، سمعته عن ابن الأنباري ، عن القاضي الحرستاني ، عن أبي الفتح نصر اللّه بن محمد بن عبد القوي ، عن الشيخ نصر المصنّف . وكتاب « الانتخاب الدمشقي » في المذهب ، نحو بضعة عشر مجلدا ، وهو على هيئة « تعليق » القاضي أبي الطّيّب الطّبري ، ويحذو حذوه ، وينقل منه كثيرا . وكتاب « التهذيب » في المذهب ، نحو عشر مجلدات . وكتاب « الكافي » ، مجلد مختصر يحذو فيه حذو شيخه أبي الفتح سليم الرازي في كتاب « الكفاية » ، ولا يذكر فيه قولين ، ولا وجهين ، بل يخرّج بالراجح عنده ، وفيه نفائس . وله غير ذلك من الكتب ، وله الأمالي والأجزاء الكثيرة ، وصحبه الغزالي متبركا به حين قدم الغزالي دمشق متزهدا ، وله حكايات عجيبة في الورع يطول الكتاب بذكرها . 631 - النضر بن الحارث - بالضاد المعجمة - الذي قتل يوم بدر كافرا : مذكور في كتاب السير من « المختصر » و « المهذب » . هو : النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة - بفتح الكاف - ابن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ، القريشي العبدري . أسر يوم بدر ، وقتل كافرا ، قتله علي بن أبي طالب بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وأجمع أهل المغازي والسير على أنه قتل يوم بدر كافرا ، وإنما قتل لأنه كان شديد الأذى للإسلام والمسلمين . ولما قتل قالت أخته قتيلة فيه أبياتا مشهورة من جملتها : أمحمّد ولدتك ضنء نجيبة * من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرّك لو مننت وربما * منّ الفتى وهو المغيظ المحنق وهذا الذي ذكرته من قتله يوم بدر كافرا هو الصّواب ، وأما ابن منده وأبو نعيم الأصفهاني فغلطا
--> ( 1 ) هذه خرافة ، وزلّة عالم !