النووي
258
تهذيب الأسماء واللغات
ومن المشهورات من كرامات عمر رضي اللّه عنه أنه كان يخطب يوم الجمعة بالمدينة ، فقال في خطبته : يا سارية بن حصن « 1 » ، الجبل الجبل . فالتفت الناس بعضهم إلى بعض فلم يفهموا مراده . فلما قضى صلاته قال له علي رضي اللّه عنه : ما هذا الذي قلته ؟ قال : وسمعته ؟ قال : نعم ، أنا وكلّ من في المسجد . قال : وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا وركبوا أكتافهم ، وأنهم يمرون بجبل ، فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجدوه وظفروا ، وإن جاوزوه هلكوا ، فخرج مني هذا الكلام . فجاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا في ذلك اليوم وتلك الساعة حين جاوزوا الجبل صوتا يشبه صوت عمر يقول : يا سارية بن حصن الجبل الجبل . فعدلنا إليه ففتح اللّه علينا . وأحوال عمر رضي اللّه عنه وفضائله وسيرته ورفقه برعيّته وتواضعه وجميل سيرته واجتهاده في الطاعة وفي حقوق المسلمين أشهر من أن تذكر ، وأكثر من أن تحصر . ومقصود هذا الكتاب الإشارة إلى بعض المقاصد . ولي الخلافة رضي اللّه عنه باستخلاف أبي بكر رضي اللّه عنه له ، وكان أبو بكر شاور الصحابة في استخلافه عمر فأشار به عبد الرحمن بن عوف وقال : هو أفضل من رأيك فيه . ثم استشار عثمان ابن عفان فقال : أنت أخبرنا به . فقال : وأيضا . فقال : علمي به أن سريرته خير من علانيته ، وأن ليس فينا مثله . وشاور معهما سعيد بن زيد وأسيد ابن حضير وغيرهم من المهاجرين والأنصار ، فقال أسيد : وهو أعلم للخير بعدك ، يرضى للرضي ويسخط للسّخط ، وسريرته خير من علانيته ، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه . ثم دعا أبو بكر عثمان بن عفان فقال : اكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها ، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها ، حين يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب ، إني مستخلف عليكم بعدي عمر ابن الخطاب ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فإني لم آل اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم ودينه ونفسي وإياكم خيرا ، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه ، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب ، والخير أردت ولا أعلم الغيب ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 227 ] ، والسلام عليكم ورحمة اللّه . ثم أمره فختم الكتاب وخرج به إلى الناس ، فبايعوا عمر جميعا ورضوا به . ثم دعا أبو بكر عمر فأوصاه بما أوصاه ثم خرج ، فرفع أبو بكر يديه مدا ثم قال : اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم ، وخفت عليهم الفتنة ، فعلمت منهم بما أنت أعلم به ، فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم ، وقد حضرني من أمرك ما حضرني ، فاخلفني فيهم ، فهم عبادك ، ونواصيهم في يدك ، وأصلح لهم ولاتهم ، واجعله من خلفائك الراشدين ، يتبع هدي نبيّ الرحمة ، وأصلح له رعيّته . وقد قدمنا أنه أول من سمي أمير المؤمنين ، سماه بذلك عدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة حين وفدا إليه من العراق . وقيل : سماه به المغيرة بن شعبة . وقيل : إن عمر قال للناس : أنتم المؤمنون
--> ( 1 ) جاء في هامش المنيرية : وجد بهامش نسختنا معزوا إلى أبي عمرو الكناني ما نصه : قلت : تسمية الشيخ رحمه اللّه هنا في موضعين والد سارية حصنا غريب ، بل شاذ منكر ، لم أر أحدا ذكره هكذا ، إنما المذكور في نفس القصة وغيرها في اسمه زنيم ، بزاي معجمة مضمومة ثم بنون مفتوحة ثم مثناة تحتانية ساكنة ثم ميم ، مصغرا بوزن غنيم . واللّه أعلم .