النووي

259

تهذيب الأسماء واللغات

وأنا أميركم ، فسمّي أمير المؤمنين ، وكان قبل ذلك يقال له : خليفة خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها . ثم قام في الخلافة أتمّ القيام ، وجاهد في اللّه حقّ جهاده ، فجيّش الجيوش ، وفتح البلدان ، ومصّر الأمصار ، وأعز الإسلام وأذل الكفر أشد إذلال ، ففتح الشام والعراق ومصر والجزيرة وديار بكر وإرمينية وأذربيجان وإيران وبلاد الجبال وبلاد فارس وخوزستان وغيرها ، واختلفوا في خراسان فقيل : فتحها عثمان ، وقيل : فتحها عمر ، ثم انتقضت ففتحها [ عثمان ] ، والصحيح عندهم أن عثمان الذي فتحها . وكان عمر أول من دوّن الديوان للمسلمين ، ورتب الناس على سابقتهم في العطاء ، وفي الإذن والإكرام ، فكان أهل بدر أول الناس دخولا عليه ، وكان عليّ بن أبي طالب أولهم ، وأثبت أسماءهم في الديوان على قربهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فبدأ ببني هاشم وبني المطّلب ، ثم الأقرب فالأقرب . روينا عن عثمان وعلي رضي اللّه عنهما قالا في عمر : هذا هو القوي الأمين . وثبت في « صحيح البخاري » ( 2010 ) وغيره أن عمر رضي اللّه عنه أول من جمع الناس لصلاة التّراويح ، فجمعهم على أبي ابن كعب رضي اللّه عنه ، وأجمع المسلمون في زمنه وبعده على استحبابها . ورووا عن علي رضي اللّه عنه أنه مر على المساجد في رمضان وفيها القناديل تزهر ، فقال : نوّر اللّه على عمر قبره كما نوّر علينا مساجدنا . وعن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة قال : خرجنا مع عمر إلى مكة ، فما ضرب فسطاسا ولا خباء حتى رجع ، وكان إذا نزل يلقى له كساء أو نطع على شجرة فيستظلّ به . وختم اللّه تعالى لعمر رضي اللّه عنه بالشهادة - وكان يسألها - فطعنه العلج عدو اللّه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة وهو قائم في صلاة الصّبح حين أحرم بالصلاة طعنة بسكين مسمومة ذات طرفين ، فضربه في كتفه وخاصرته ، وقيل : ضربه ست ضربات ، فقال : الحمد للّه الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل يدعي الإسلام . وطعن العلج مع عمر ثلاثة عشر رجلا ، توفي منهم سبعة وعاش الباقون ، فطرح مسلم عليه برنسا ، فلما أحس العلج أنه مقتول قتل نفسه . وشرب عمر رضي اللّه عنه لبنا فخرج من جرحه ، فعلم هو والناس أنه لا يعيش ، فأشاروا عليه بالوصية ، فجعل الخلافة شورى بين عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ، وقال : لا أعلم أحدا أحقّ بها من هؤلاء الذين توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو عنهم راض . وقال : يؤمّر المسلمون أحد هؤلاء الستة . وحسب الدّين عليه فوجده ستة وثمانين ألفا أو نحوه ، فقال لابنه عبد اللّه : إن وفى مال آل عمر به فأدّوه منه ، وإلا فسل في بني عدي ، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ، ولا تعدهم إلى غيرهم . ثم بعث ابنه عبد اللّه إلى عائشة رضي اللّه عنها فقال : قل : يقرأ عليك عمر السلام ، ولا تقل : أمير المؤمنين ، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا ، وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه . فجاء فسلّم واستأذن ، فدخل فوجدها تبكي ، فقال لها ، فأذنت ، وقالت : كنت أردته لنفسي ، ولأوثرنه اليوم على نفسي . فلما أقبل عبد اللّه من عندها قيل لعمر : هذا عبد اللّه . قال : ارفعوني . فأسنده رجل ، فقال : ما لديك ؟ فقال : الذي تحب ، قد أذنت . قال : الحمد للّه ، ما كان شيء أهمّ إلي من ذلك ، فإذا أنا قبضت فاحملوني ، ثم سلّم فقل : يستأذن