النووي

18

تهذيب الأسماء واللغات

وأذكر إن شاء اللّه تعالى في آخر ترجمة كل واحد من فقهاء أصحابنا مسائل غريبة عنه ، سواء كان قوله فيها راجحا أو مرجوحا ، وأبيّن أن قوله راجح أو مرجوح ، وأكثر ذلك من المرجوح . والمقصود من تراجم الصحابة وغيرهم ، بيان الاسم والكنية ، والنّسب والبلد ، والمولد والوفاة ، ونفيسة من مناقبه وعيون أخباره ، وينضم إلى هذا في فقهاء أصحابنا أنه على من تفقّه ، ومن تفقّه عليه ، وما صنّف ، وأن تصنيفه نفيس أم لا ، وأنه يعتمد أم لا ، وأنه قليل المخالفة للأصحاب أو كثيرها ، وسترى في كل ذلك إن شاء اللّه تعالى ما تقرّ به عينك ، وترغب بسببه في مراجعة كتب العلماء من كل فن . وأرجو إن تم هذا الكتاب أن يحصل لصاحبه مقصود خزانة من أنواع العلوم التي تدخل فيه ، واستمدادي في ذلك وفي غيره من أموري التوفيق والكفاية ، والإعانة والصيانة والهداية ، من اللّه الكريم الوهاب ، اللّطيف الحكيم التواب ، أسأله التوفيق لحسن النيات ، وتيسير أنواع الطاعات ، والهداية لها دائما في ازدياد حتى الممات ، ومغفرة ما ظلمت نفسي به في المخالفات ، وأن يفعل ذلك بوالديّ ومشايخي وأهلينا وأحبابنا ، وسائر المسلمين والمسلمات ، وأن يجود علينا أجمعين برضاه ومحبته ، ودوام طاعته ، ويجمع بيننا في دار كرامته ، وغير ذلك من أنواع المسرّات ، وأن ينفعنا أجمعين بهذا الكتاب ويجمع لنا المثوبات ، وألا ينزع منا ما وهبه لنا ومنّ به علينا من الخيرات ، وألا يجعل شيئا من ذلك فتنة لنا وأن يعيذنا من كلّ المخالفات ، إنه سميع الدعوات جزيل الأعطيات . اعتصمت باللّه ، توكلت على اللّه ، ما شاء اللّه ، لا قوة إلا باللّه ، حسبي اللّه ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وأقدم في أول الكتاب فصولا ، تكون لمحصّله قواعد وأصولا . فصل [ في فوائد الأسماء ] اعلم أن لمعرفة أسماء الرّجال وأحوالهم وأقوالهم ومراتبهم فوائد كثيرة ، منها : معرفة مناقبهم وأحوالهم ، فيتأدّب بآدابهم ، ويقتبس المحاسن من آثارهم . ومنها مراتبهم وأعصارهم ، فينزّلون منازلهم ، ولا يقصّر بالعالي في الجلالة عن درجته ، ولا يرفع غيره عن مرتبته ، وقد قال اللّه تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ يوسف : 76 ] ، وثبت في « صحيح مسلم » ( 432 ) عن ابن مسعود رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ليلني منكم أولو الأحلام والنّهى ، ثم الذين يلونهم » ثلاثا . وعن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم . قال الحاكم أبو عبد اللّه في « علوم الحديث » : هو حديث صحيح . وأشار أبو داود في « سننه » إلى أنه مرسل « 1 » . ومنها أنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين لنا ، وأحدب علينا في مصالح آخرتنا التي هي دار قرارنا ، وأنصح لنا فيما هو أعود علينا ، فيقبح بنا أن نجهلهم ، وأن نهمل معرفتهم . ومنها أن يكون العمل والترجيح بقول أعلمهم وأورعهم إذا تعارضت أقوالهم على ما أوضحته في مقدمة « شرح المهذب » . ومنها بيان مصنفاتهم وما لها من الجلالة وعدمها ، والتنبيه على مراتبها ، وفي ذلك إرشاد للطالب إلى تحصيلها ، وتعريف له بما

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 4842 ) من طريق ميمون بن أبي شبيب ، أن عائشة رضي اللّه عنها قالت : . . . الحديث ، وقال بإثره : ميمون لم يدرك عائشة .