النووي

13

تهذيب الأسماء واللغات

[ خطبة الكتاب ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وبه نستعين الحمد للّه خالق المصنوعات ، وبارئ البريّات ، ومدبر الكائنات ، ومصرّف الألسن الناطقات ، مفضّل لغة العرب على سائر اللغات ، المنزل كتابه والمرسل رسوله وحبيبه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بها ، تنويها بشأنها ، وتعريفا بعظم محلها ، وارتفاع مكانها . أحمده أبلغ الحمد وأكمله ، وأزكاه وأشمله ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه اللّطيف الكريم ، الرؤوف الرّحيم ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله صلّى اللّه عليه وسلم ، وعلى سائر النبيين وآل كلّ وسائر الصالحين . أما بعد ، فإن لغة العرب لمّا كانت بالمحلّ الأعلى والمقام الأسنى ، وبها يعرف كتاب ربّ العالمين ، وسنّة خير الأولين والآخرين ، وأكرم السابقين واللاحقين ، صلوات اللّه عليه وعلى سائر النبيين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، اجتهد أولو البصائر والأنفس الزاكيات ، والهمم المهذبة العاليات ، في الاعتناء بها ، والتّمكّن من إتقانها ، بحفظ أشعار العرب وخطبهم ونثرهم ، وغير ذلك من أمرهم ، وكان هذا الاعتناء في زمن الصحابة رضي اللّه عنهم ، مع فصاحتهم نسبا ودارا ، ومعرفتهم باللغة استظهارا ، لكن أرادوا الاستكثار من اللغة التي حالها ما ذكرنا ، ومحلّها ما قدّمنا . وكان ابن عباس وعائشة وغيرهما رضي اللّه عنهم يحفظون من الأشعار واللغات ما هو من المعروفات الشائعات . وأما ضرب عمر بن الخطاب وابنه رضي اللّه عنهما أولادهما لتفريطهم في حفظ العربية ، فمن المنقولات الواضحات الجليلة . وأما المنقول عن التابعين ومن بعدهم في ذلك فهو أكثر من أن يحصر ، وأشهر من أن يذكر . وأما ثناء إمامنا الشافعيّ - رحمه اللّه - وحثّه على تعلم العربية في أول « رسالته » فهو مقتضى منصبه وعظم جلالته . ولا حاجة إلى الإطالة في الحث عليها ، فالعلماء مجمعون على الدعاء إليها ، بل شرطوها في المفتي والإمام الأعظم والقاضي لصحة الولايات ، واتفقوا على أن تعلمها وتعليمها من فروض الكفايات . فلما كان أمرها كما ذكرته ، وجلالتها بالمحل الذي وصفته ، أردت أن أسلك بعض طرق أهلها ، لعلّي أنال بعض فضلها ، وأؤدي بعض ما ذكرته من فروض الكفاية ، وأساعد في معرفة اللغة من له رغبة من أهل العناية ، فأجمع إن شاء اللّه الكريم الرؤوف الرحيم ذو الطّول والإحسان ، والفضل والامتنان ، كتابا في الألفاظ الموجودة في « مختصر أبي إبراهيم المزني » ، و « المهذّب » ، و « التنبيه » ، و « الوسيط » ، و « الوجيز » ، و « الروضة » ، وهو الكتاب الذي اختصرته من « شرح الوجيز » للإمام أبي القاسم الرافعي - رحمه اللّه - فإن هذه الكتب الستة تجمع ما يحتاج إليه من اللّغات ، وأضمّ إلى ما فيها جملا مما يحتاج إليه مما ليس فيها ، ليعمّ الانتفاع به إن شاء اللّه تعالى من اللغات العربية والعجمية والمعرّبة ، والاصطلاحات الشرعية ، والألفاظ الفقهية ، وأضمّ إلى اللّغات ما في هذه الكتب من أسماء الرجال والنساء ، والملائكة والجن وغيرهم ، ممن له ذكر في هذه الكتب ، برواية وغيرها ، مسلما كان أو كافرا ، برّا كان أو فاجرا . وخصصت هذه الكتب بالتصنيف ، لأن الخمسة الأولى منها مشهورة بين أصحابنا ، يتداولونها أكثر