النووي

106

تهذيب الأسماء واللغات

ولكان آخره مجرورا أبدا كعبد اللّه . وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب ، فإن ما زعموه باطل لا أصل له . واعلم أن جبريل يقال له : الناموس ، بالنون ، كما ثبت في « الصحيحين » في حديث المبعث « 1 » . قال أهل اللغة : الناموس صاحب سر الرجل الذي يطلعه على باطن أمره . وقيل : الناموس صاحب خبر الخير ، والجاسوس صاحب خبر الشر . وقد تظاهرت الدلائل على عظم مرتبة جبريل عليه السلام ، قال اللّه تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ، مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ [ البقرة : 97 - 98 ] ، وقال تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، عَلى قَلْبِكَ الآية [ الشعراء : 191 - 194 ] ، وقال تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى الآيات [ النجم : 5 ] . المراد بشديد القوى : جبريل عليه السلام . وقال تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [ النجم : 13 - 14 ] الآية ، المراد : رأى جبريل . هذا قول الجمهور ، فرآه النبي صلّى اللّه عليه وسلم على صورته له ست مائة جناح مرتين ، وقال تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ، وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ، وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ، وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [ التكوير : 19 - 24 ] . وثبت عند البخاري ( 3 ) ومسلم ( 160 ) في حديث المبعث عن عائشة رضي اللّه عنها : أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم جاءه جبريل وهو يتعبّد في غار حراء ، فأخذه فغطّه ، ثم أرسله ، فقال : اقرأ . ثم غطّه ثانية وثالثة ، يقول له مثل ذلك ، ثم قال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 1 - 5 ] . وفي « صحيح مسلم » ( 174 ) عن ابن مسعود في قول اللّه تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قال : رأى جبريل في صورته له ست مائة جناح . و ( 177 / 287 ) عن مسروق قال : قلت لعائشة رضي اللّه عنها : ألم يقل اللّه تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ؟ فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : « إنما هو جبريل ، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين : رأيته منهبطا من السماء سادّا عظم خلقته ما بين السماء والأرض » . وفي « صحيح مسلم » ( 177 / 290 ) عن مسروق أيضا ، قال : قلت لعائشة رضي اللّه عنها : قوله تعالى : ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فقالت : إنما ذلك جبريل ، كان يأتيه في صورة الرّجال ، وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته فسدّ أفق السّماء . وفي « صحيحي » البخاري ( 2 ) ومسلم ( 2333 ) عن عائشة : أن الحارث بن هشام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا رسول اللّه ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشدّه عليّ ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول » . قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشّديد البرد ، فيفصم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3 ) ، ومسلم ( 160 ) من حديث عائشة رضي اللّه عنها .