ابن أبي أصيبعة

83

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

يوم القيامة ، إلا أنى أرى لك نقل أهلك من الكوفة « 1 » إلى أي البلدان أحببت ، فإن الكوفة « بلد » « 2 » شيعة من تحارب ، فان فللت لم يكن لمن « 3 » تخلف بها من أهلك بقيا ، وإن فللت وأصبت من تتوجه إليه ، زاد ذلك في إضغانهم عليك ، فإن سلمت منهم حياتك لم ( تسلم منهم غيبتك ) « 4 » بعد وفاتك . فقال له " عيسى " : ويحك إن أمير المؤمنين غير مفارق للكوفة ، فلم أنقل أهلي عنها ، وهم معه « 5 » في داره ؟ . فقال له : إن الفيصل في مخرجك ، فإن كانت الحرب لك فالخليفة مقيم بالكوفة ، وإن كانت الحرب عليك ، لم تكن الكوفة له بدار ، وسيهرب « 6 » عنها ويخلف حرمه فضلا عن حرمك . قال " موسى " : فحاول " عيسى " نقل عياله من الكوفة ، فلم يسوغه ذلك " المنصور " . قال : ولما فتح الله على " عيسى " ، ورجع إلى الكوفة وقتل " إبراهيم بن عبيد الله " ، " انتقل " المنصور " « 7 » إلى مدينة السلام . فقال له متطببه « 8 » : بادر إلى الانتقال معه إلى ( مدينته التي قد أحدثها ) « 9 » ، واستأذن " المنصور " في ذلك ، فأعلمه أن لا سبيل إليه ، وأنه قد دبر استخلافه « 10 » على الكوفة ، فأخبر بذلك " عيسى " متطببه ، فقال له المتطبب : استخلافه إياك على الكوفة قد حل لعقدك عن العهد ؛ لأنه لو دبر تمام الأمر لك لولاك خراسان بلد « 11 » شيعتك . فإما أن يجعلك « 12 » بالكوفة مع ( أعدائه وأعدائك ) « 13 » ، وقد قتلت " محمد بن عبد الله " ، فوالله ما دبر فيك إلا قتلك ، وقتل عقبك ، ومن المحال أن يوليك خراسان بعد الظاهر منه فيك ، فسله توليتك الجزيرتين « 14 » ، أو الشام « 15 » ، فأخرج إلى أي الولايتين ولاك فأوطنها « 16 » .

--> ( 1 ) الكوفة : مدينة كبيرة بأرض بابل من سواد العراق ، وتسمى العذراء ، وذلك لاجتماع الناس بها ، وكان " " سعد بن أبي وقاص " لما انتهى من حرب كسرى فارس وهزمه في القادسية ، واستولى على المدائن ، طلب منه أمير المؤمنين " عمر بن الخطاب " أن ينزل بجنوده في مكان جيد يصلح للعرب ، فاختار مكان الكوفة ؛ لقربها من النهر ، واختط بها مسجدا ، وبنى بها للعرب بيوتا ، حتى عمرها الجند ، وينسب إليها من العلماء " محمد بن العلاء بن كريب الهمذاني الكوفي ، وغيره . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 4 / 557 . ( 2 ) ساقط في أ . ( 3 ) في أ : " من " . ( 4 ) في طبعة مولر : " يسلم منهم عقبك " . ( 5 ) ساقط في أ . ( 6 ) في ج ، د : " ويتهرب " . ( 7 ) ما بين الخاصرتين ساقط في أ . ( 8 ) في أ : " المتطبب " . ( 9 ) في أ : " مدينة قد أخذتها " . ( 10 ) في ج ، د : " استخلافه إياك " . ( 11 ) في أ : " ليمد " . ( 12 ) في أ : " تجعل " . ( 13 ) في طبعة مولر " أعدائك " . ( 14 ) الجزيرة : اسم يطلق على عدة أماكن في بلاد العرب ، منها : جزيرة أقور ، وهي التي تقع بين دجلة والفرات مجاورة للشام ، وتشتمل على عدة أماكن منها : ديار مضر ، وديار بكر ، ونصيبين ، وماردين ، وآمد ، وسنجار ، والأخرى جزيرة العرب . وقد اختلف العلماء في تحديدها ، فهي تشتمل على سواد العراق ، وسفوان ، والقطيف ، وهجر ، والبحرين ، وقطر ، وعمان ، وحضرموت ، وعدن ، واليمن ومكة ، وغيرها . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 2 / 156 . ( 15 ) الشام : بلاد واسعة في أعلى شبه الجزيرة العربية ، كان يطلق على بلاد الأردن ، وسوريا ، ولبنان ، وفلسطين ، وتضم العديد من مشاهير المدن العربية والإسلامية الكبرى ، منها : قنسرين ، وطرابلس ، وعسقلان ، وعكا ، وصور ، وطرسوس ، وغيرها . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 3 / 353 . ( 16 ) في ج ، د : " فأوطنهما " .