ابن أبي أصيبعة

84

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

فقال له : تكره لي ولاية الكوفة ، وأهلها من شيعة بني هاشم ، وترغب لي في ولاية الشام أو الجزيرتين ، وأهلها من شيعة بنى أمية . فقال له المتطبب : أهل الكوفة وإن رسموا أنفسهم بالتشيع لبنى هاشم ، فلست وأهلك من بني هاشم الذين يتشيعون لهم ، وإنما تشيعهم لبنى أبى طالب وقد أصبت من دمائهم ، ما قد اكتسب أهل الكوفة بغضتك ، وأملى « 1 » لهم عند أنفسهم الاقتياد منك ، وتشييع أهل الجزيرتين ، والشام ، ليس على طريق الديانة ، وإنما ذلك على طريق إحسان بنى أمية إليهم ، وأنت أظهرت لهم مودة متى وليتهم فأحسنت إليهم كانوا لك شيعة . ويدل على ذلك ، محاربتهم مع " عبد الله بن علي " ، على ما قد نال من دمائهم لما تألفهم ، وتضمن لهم الإحسان إليهم ، فهم إليك لسلامتك من دمائهم أميل . واستعفى " عيسى " من ولاية الكوفة ، وسأل تعويضه عنها « 2 » ، فأعلمه " المنصور " أن الكوفة دار الخلافة وأن لا يمكن أن تخلو من خليفة أو ولى عهد . ووعد " عيسى " أن يقيم بمدينة السلام سنة ، وبالكوفة سنة ، وأنه إذا صار إلى الكوفة ، صار " عيسى " إلى مدينة السلام فأقام بها . قال " موسى " : فلما طلب أهل خراسان عقد البيعة للمهدى قال لمتطببه : ما تقول يا فرات ؟ ، فقد دعيت إلى تقديم محمد بن أمير المؤمنين على نفسي ؟ ، فقال له : تدفع بماذا ؟ أرى أن تسمع وتطيع اليوم وبعد اليوم . فقال له : وما بعد اليوم ؟ قال : إذا دعاك محمد بن أمير المؤمنين إلى خلع نفسك ، وتسليم الخلافة إلى بعض ولده ، إن تسارع فليست عندك منعة ، ولا يمكنك مخالفة القوم في شئ يريدونه منك . قال " موسى " : فمات المتطبب في خلافة " المنصور " ، فلما دعى " المهدى " ، " عيسى " إلى خلع نفسه من ولاية العهد ، وتسليم « 3 » الأمر إلى " الهادي " ، قال عيسى بن موسى : قاتلك الله يا فرات ، ما كان أجود رأيك وأعلمك بما تتفوه به ، كأنك كنت شاهدا ليومنا هذا . قال " موسى بن إسرائيل " : ولما رأيت فعل " أبى السرايا " بمنازل العباسيين ، قلت مثل ما قال " عيسى بن موسى " . وقال " يوسف بن إبراهيم " : لما بلغه وهو بمصر ما ركب الطالبيون وأهل الكوفة من العباسيين ، وقتل " عبد الله بن محمد بن داود " « 4 » ، مثل ما قال " عيسى بن موسى " ، و " موسى " المتطبب .

--> ( 1 ) في ج ، د : " وأحل " . ( 2 ) في أ ، ج ، د : " منها " . ( 3 ) في أ : " أو " . ( 4 ) هو عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى ، أحد القادة الكبار في تاريخ الدولة العباسية ، وكان قد تمالأ عليه " عيسى بن جعفر " ، وعلي بن زيد الحسنيان بالكوفة فقتلاه ، في شهر رجب من سنة 253 ه . انظر : البداية والنهاية : 11 / 18 .