ابن أبي أصيبعة

76

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

إلى جوفه ، حتى سمعت منه أصواتا ، لم أشك في أنى لم أبلغ باب داره إلا وقد مات « 1 » ، فنهضت ومتطببى معي ، وما أعقل غما . وأمرت خادما لي كان يحمل مع الأسطرلاب « 2 » ، إذا ركبت بالمقام « 3 » في داره ، وتعرف خبر ما يكون منه . فتخلف فوافانى « 4 » كتاب الخادم بعد الزوال ، يعلمني أنه قام من بعد طلوع الشمس إلى زوالها خمسين مرة . فقلت : تلفت « 5 » والله نفس " ثمامة " . ثم وافى « 6 » كتاب الخادم بعد غروب الشمس ، أنه قام منذ زوال الشمس إلى غروبها عشرين مجلسا ، ثم صار إلى الغلام مع طلوع الشمس ، فذكر أنه لم يكن منذ غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا ثلاثة مجالس ، ولم يكن منه إلى وقت طلوع الفجر شئ . فركبت إليه بعد صلاة « 7 » الغداة ، فوجدته نائما ( بعد ما كان ) « 8 » لا ينام ، فانتبه لي ، فسألته عن خبره فأخبرني « 9 » أن لم يزل في وجع من جوفه ، مانع له من النوم والقرار ، منذ أكثر من أربعين يوما « 10 » . حتى أخذ تلك الشربة ، ( فلما انقطع فعل الشربة ) « 11 » ، انقطع عنه ذلك الوجع ، وأنه لم يشته طعاما منذ ذلك الوقت ، وأنه ما يبصرنى وقته من غلبة الجوع عليه ، وسأل الإذن في الأكل « 12 » ، فأذن له " يزيد " في الأكل أسفيدباجة قد طبخت من فروج كسكرى سمين ، ثم اتباعها « 13 » زيرباجه ، ففعل ذلك . وصرت إلى " الرشيد " فأخبرته بما كان من أمر " ثمامة " ، فأحضر المتطبب ، وقال له : ويحك ، كيف أقدمت على إسقائه حب الأصطمخيقون ؟ . فقال : يا أمير المؤمنين هذا رجل كان في جوفه كيموس « 14 » فاسد ، فلم يكن يدخل في جوفه دواء ولا غذاء إلا أفسده ذلك الكيموس ، وكان كلما فسد من تلك الأدوية والأغذية ، صار مادة لذلك الفساد ، فكانت العلة لهذا السبب تزداد ، فعلمت أن لا علاج له إلا بدواء قوى ، يقوى على قلع « 15 » ذلك الكيموس .

--> ( 1 ) في ج ، د : " مضت " . ( 2 ) الأسطرلاب : كلمة يونانية تعنى : مرآة النجوم ، ويكون منه عدة أنواع منها : الكروي ، والمستوى والخطى ، ويتكون من الأم والقلب وصفائح الدراج والشبكة أو العنكبوت والعضادة ، ومن أشهر من كتب : " أبا إسحاق إبراهيم بن حبيب الغزارى " ، و " الكندي " ، و " الخوارزمي " ، و " البيروني " ، و " هبة الله بن الحسين بن يوسف " ، وغيرهم . انظر : مفاتيح العلوم للخوارزمي . ( 3 ) في ج ، د : " في المقام " . ( 4 ) في أ : " ووفانى " . ( 5 ) في ج ، د : " بلغت " . ( 6 ) في أ : " وافانى " . ( 7 ) في أ ، ج ، د : " ما صليت " . ( 8 ) في أ ، ج ، د : " وكان " . ( 9 ) في أ ، ج ، د : " فأعلمنى " . ( 10 ) في ج ، د : " ليلة " . ( 11 ) ساقط في أ ، ج ، د . ( 12 ) في ج ، د : " وسأله الأكل " . ( 13 ) في ج ، د : " أتبعها " . ( 14 ) الكيموس : مادة لبنية بيضاء صالحة للامتصاص تستمدها الأمعاء من المواد الغذائية في أثناء مرورها بها ، وإذا انحدر الطعام إلى المعدة خضع فيها للهضم الأول الذي يحدث منه الكيموس ، ويتحول جزء منه إلى خلط البلغم ، وجزء يصل إلى الكبد حيث يتكون خلط المرة الصفراء ، ومن رسوبه خلط المرة السوداء ، أما ما يكون بين الرسوب والرغوة فيتكون منه خلط الدم ، وفي كل تحول من هذه التحولات يبقى قدر منه يخرجه الجسم على هيئة براز أو عرق أو مخاط ، وغير ذلك . انظر : مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2372 / 238 ، المعجم الوسيط : 2 / 840 . ( 15 ) في ك : " فعل " .