ابن أبي أصيبعة
77
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وكان أقوى الأشياء التي يمكن ( أن يسقاها ) « 1 » ، الاصطمخيقون ، فقلت له فيه الذي قلت ، ولم أقدم أيضا على القول أنه يبرئه لا محالة ، وإنما قلت ، بقي شئ واحد ، فإن هو لم ينفعه ، فلا علاج له « 2 » . وإنما قلت ذلك « 3 » ، لأنى رأيت الرجل عليلا ، قد أضعفته العلة ، وأذهبت أكثر قواه ، فلم آمن عليه التلف إن شربه ، وكنت أرجو له العافية بشربه إياه ، وكنت أعلم أنه إن « 4 » لم يشربه أيضا تلف ، فاستحسن " الرشيد " ما كان من قوله ، ووصله بعشرة آلاف درهم « 5 » . ثم عاد " الرشيد " ، " ثمامة " ، وقال له : لقد أقدمت « 6 » من شرب ذلك « 7 » الدواء على أمر عظيم ، وخاصة إذا كان المتطبب لم يصرح لك بأن في شربه العافية . فقال " ثمامة " : يا أمير المؤمنين كنت قد ينست من نفسي ، وسمعت المتطبب يقول : إن شرب هذا الدواء رجوت أن ينفعه ، فاخترت المقام على الرجاء ولو لحظة ، على اليأس من الحياة فشربته ، وكانت في ذلك خيرة من الله سبحانه وتعالى عظيمة . وهذه الحكاية تناسب ما روى عن النبي ، إن جاء إليه رجل من العرب ، فقال : يا رسول الله ، إن أخي قد غلب عليه الجوف وداويناه ، ولم ينقطع عنه بشئ . فقال له عليه السلام : أطعمه عسل النحل . فراح وأطعمه إياه ، فزاد الإسهال ، فأتى إليه ، وقال : يا رسول الله قد كثر الإسهال فيه من وقت أطعمته العسل . فقال : أطعمه العسل . فأطعمه ، فزاد الإسهال أكثر ، فشكى ذلك إلى النبي ، فقال : أطعمه أيضا عسل . فأطعمه أيضا العسل في اليوم الثالث ، فتقاصر الإسهال وانقطع بالكلية . فأخبر النبي بذلك . فقال : صدق الله وكذبت بطن أخيك « 8 » . وإنما قال له النبي ذلك لكونه قد علم إن في معدة المريض رطوبات لزجة غليظة قد أزلفت معدته ، فكلما مر بها شئ من الأدوية القابضة لم يؤثر فيها ، والرطوبات باقية على حالها ، والأدوية تزلق عنها فيبقى الإسهال دائما . فلما تناول العسل جلى تلك الرطوبات « 9 » . وأحدرها ، فكثر الإسهال أولا بخروجها ، وتوالى ذلك إلى أن نفذت تلك الرطوبات بأسرها ، فانقطع الإسهال ، وبرئ الرجل . فقوله : صدق الله ، يعنى : بالعلم الذي أوجده الله ، عزّ وجل ، لنبيه وعرفه به . وقوله : كذبت بطن أخيك ، يعنى : ما كان يظهر من بطنه من الإسهال ، وكثرته بطريق العرض ، وليس هو مرض حقيقي ، فكانت بطنه كاذبة في ذلك « 10 » .
--> ( 1 ) ساقط في أ . ( 2 ) ساقط في أ . ( 3 ) ساقط في ج ، د . ( 4 ) ساقط في ج ، د . ( 5 ) ساقط في ج ، د . ( 6 ) في أ : " قد قدمت " . ( 7 ) في ج ، د : " هذا " . ( 8 ) الحديث بلفظ : " جاء رجل إلى النبي ، صلّى الله عليه وسلم ، فقال : إن أخي استطلق بطنه ، فقال رسول الله ، صلّى الله عليه وسلم : اسقه عسلا ، فسقاه ، ثم جاء فقال : إنّي سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقا ، فقال له ثلاث مرات ، ثم جاء الرابعة ، فقال : اسقه عسلا ، فقال : لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا ، فقال رسول الله ، صلّى الله عليه وسلم : صدق الله وكذب بطن أخيك ، فسقاه فبرأ " . ( صحيح مسلم : كتاب السلام - باب التداوي بسقى العسل ) . ( 9 ) ما بين الخاصرتين ساقط في أ ، ج ، د . ( 10 ) ما بين الخاصرتين إضافة من طبعة مولر .