ابن أبي أصيبعة

71

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ثم قال لذلك الرئيس : ما أقدمك يا ابن عم ؟ . فقال له : قدمت مددا لك إذ كنت على محاربة هذا الدعي لما لا يجب له ولا يستحق ، يعنى : صاحبنا ، فقال له " حميد " : لست أقبل مددا إلا من وثقت بصرامته ، وقوة قلبه واحتماله ، لما تصعب على أكثر الناس في نصرتي . ولا بد من امتحانك ، فإن خرجت على المحنة قبلتك « 1 » ، وإلا رددتك إلى أهلك . فقال له الطائي : فامتحنى بما أحببت . فأخرج " حميد " عمودا من تحت مصلاه ، وقال له « 2 » : ابسط ذراعك ، فبسط ذراعه « 3 » ، فحمل " حميد " العمود ( على عاتقه ثم هوى به إلى ذراع الطائي ، فلما قرب العمود ) « 4 » من ذراعه رفع « 5 » يده ، فأظهر " حميد " غضبا عليه ، ثم قال له : رددت يدي . فترضاه الطائي ، ثم دعاه إلى معاودة امتحانه . فأمره " حميد " بإظهار ذراعه ( ففعل ) « 6 » ، فرفع " حميد " العامود ليضرب به ذراعه ، فلما قرب العمود من ذراع الطائي ، فعل مثل ما فعله في ( المرة الأولى ) « 7 » . فلما جذب ذراعه ، ولم ( يمكن حميدا ) « 8 » من ضربها بالعمود ، أمر بسجنه بعد سحبه من مجلسه ، وأخذ دوابه ، ودواب أصحابه ، وطردهم من معسكره « 9 » ، فانصرفوا من عنده رجاله بأسوأ حال « 10 » . قال " الطيفورى " : فلمته « 11 » على ما كان منه فاستضحك ، ثم قال لي : قد أطلقت لك الضحك منى والاستهزاء بي ، وقذفت عرضى ، متى تكلمت في الطب بحضرتك بشئ تنكره ، فأما قيادة الجيوش ، فذلك ما ليس لك فيه حظ ، فلا تنكرن مخالفة رأيك رأيي ، ثم قال لي : أنا رجل من يمن ، وكان الرسول صلّى الله عليه وسلم ، مضريا « 12 » ، والخلافة في أيدي مضر . فكما أنى أحب قومي ، فكذلك الخلفاء تحب قومها ، وإن أظهرت « 13 » ميلا إلى قومي في بعض الأوقات ، وانحرافا عمن هو أمس بها رحما منى ، فإني غير شاك في ميلها إلى « 14 » إذا حققت الحقائق ، ومعي من أبناء " نزار " بشر كثير . وكان في استشعارى من قدم على من قومي مفسدة لقلوب من قد امتحنته ، وعرفت بلاءه « 15 » من النزارية ، ولست أدرى ، لعل كل من أتاني من عشيرتي ، لا يساوى رجلا واحدا من النزارية ، فأردت بما كان من استجلاب قلوب من معي ، وأن ينصرف من أتاني من

--> ( 1 ) في أ : " قلبك " . ( 2 ) في ج ، د : " ثم قال " . ( 3 ) في ج : " ذراعيه " . ( 4 ) ساقط في ج ، د . ( 5 ) في أ : " وقع " . ( 6 ) ساقط في أ . ( 7 ) في ج ، د : " الأول " . ( 8 ) في أ : " ولم يكن آمنا " . ( 9 ) في ج ، د : " عسكره " . ( 10 ) في أ : " حالة " . ( 11 ) في ج ، د : " علمته " . ( 12 ) قبيلة مضر العربية ، تنسب إلى " مضر بن نزار " وإليه وإلى أخيه إلياس بن نزار يرجع نسب أبناء نزار ، وهم الصريح من ولد إسماعيل النبي عليه السلام ، وإليه يرجع نسبه عليه الصلاة والسلام . انظر : المعارف لابن قتيبة : 64 . ( 13 ) في أ : " أظهر " . ( 14 ) في أ ، ج ، د : " إليهم " . ( 15 ) في د : " بلاده " .