ابن أبي أصيبعة
61
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
وسار " « 1 » إليه فحبسه ، وأعلمه أنه يضطر إلى مجسة عرقه ثلاثة أيام ، قبل أن يذكر له شيئا من العلاج . فأمر عيسى بالانصراف والعود إليه ، ففعل ذلك . وعاد « إليه » « 2 » في اليوم الثاني والثالث ، فلما فرغ من مجسة عرقه قال له : إن الوصية مباركة وهي غير مقدمة أو مؤخرة . وأنا أرى للأمير أن يعهد فإن لم يحدث حادث قبل أربعين يوما ، عالجته في ذلك بعلاج لا يمضى به إلا ثلاثة أيام حتى يخرج من علته هذه ، ويعود بدنه إلى أحسن مما كان عليه . ونهض من مجلسه ، وقد أسكن قلب " عيسى " من الخوف ما امتنع له من « إكثار الطعام » « 3 » ، ومنعه من النوم ، فلم يبلغ أربعين يوما حتى انحط من منطقته خمس بشيزجات . واستتر " عيسى أبو قريش " في تلك الأيام عن " الرشيد " ؛ خوفا من إعلام " الرشيد " ، " عيسى بن جعفر " تدبير " عيسى " المتطبب ؛ لإسكان الغم قلبه ، فيفسد عليه تدبيره . فلما كان ليلة يوم الأربعين ، صار إلى " الرشيد " وأعلمه أنه لا شك في نقصان بدن " عيسى " ، وسأله « إحضاره » « 4 » مجلسه أو الركوب إليه ، فركب إليه " الرشيد " ، فدخل عليه ، ومعه " عيسى " . فقال له " عيسى " : أطلق لي « 5 » يا أمير المؤمنين قتل هذا الكافر ، فقد قتلني . وأحضر منطقته فشدها في وسطه ، وقال : يا أمير المؤمنين ، نقص هذا العدو والله من بدني ؛ ما أدخل على من الروع خمس بشيزجات ، فسجد " الرشيد " ؛ شكرا لله تعالى . وقال : يا أخي متعت بك بأبى عيسى - وكان " الرشيد " كثيرا ما يقول له بأبى عيسى - ردت إليك بعد « 6 » الله الحياة ، ونعم الحيلة احتال لك ، وقد أمرت له بعشرة آلاف دينار ، فأوصل إليه مثلها . ففعل ذلك له ، وانصرف المتطبب إلى منزله بالمال ولم يرجع إلى " عيسى بن جعفر " ذلك الشحم إلى أن فارق الدنيا . قال يوسف : وحدثني " إبراهيم بن المهدى " أن اعتل بالرقة مع " الرشيد " علة صعبة ، فأمر " الرشيد " بإحضاره إلى والدته بمدينة السلام ، وكان " بختيشوع " ، جد " بختيشوع " الذي كان في دهرنا هذا ، لا يزايله ، ويتولى علاجه . ثم قدم " الرشيد " ( مدينة السلام ) ، ومعه " عيسى أبو قريش " ، فذكر أن " أبا قريش " أتاه عائدا ، فرأى العلة قد أذهبت لحمه ، وأذابت « شحمه » « 7 » ، وأصارته « 8 » إلى اليأس من نفسه ، وكان أعظم ما عليه في علته شدة الحمية .
--> ( 1 ) في أ : " ذلك وصاربه " ، ج ، د : " ذلك به وصار " ، والمثبت من ك . ( 2 ) ساقط في أ ، ج ، د . والإضافة من ك . ( 3 ) في أ : " أكثر الغد " ، ج ، د : " أكثر الغذاء " ، والمثبت من ك . ( 4 ) في أ : " إحضار " ، والمثبت من ج ، د . ( 5 ) ساقط في ج ، د . ( 6 ) في ج ، د : " بعون " . ( 7 ) في أ : " لحمه " ، والمثبت من ج ، د . ( 8 ) في ج ، د : " صيرته " .