ابن أبي أصيبعة
59
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
قال " يوسف " : وحدثتني " شكلة " ، أم " إبراهيم بن المهدى " ، قالت : إن " المهدى هتف " بها وهي " « 1 » معه في مضربة « بالربذة » « 2 » من طريق مكة بلسان متغير « أنكرته » « 3 » ؛ فصارت إليه وهو مستلق على القفا ، فأمرها بالجلوس ، فلما « جلست » « 4 » وثب فعانقها معانقة الإنسان لمن « 5 » يسلم عليه ، ثم « عبرها » « 6 » إلى صدره ، وزال عن عقله . فجهد جميع من « حضرها » « 7 » بأن يخلص يديه من عنقها ، فما وصلوا إلى ذلك . وحضر « 8 » المتطببون فأجمعوا على أن الذي به فالج « 9 » . فقال " عيسى أبو قريش " : " المهدى بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس » يضربه الفالج ! ؟ لا والله لا يضرب أحدا من هؤلاء ، ولا نسلهم فالج أبدا ، إلا أن يبذروا بذورهم في الروميات ، والصقليات « 10 » وما أشبههن . فيعرض الفلج لمن ولده الروميات وأشباههن « 11 » من نسلهم . ثم دعا بالحجام فحجمه ، فوالله « ما » « 12 » أن خرج من دمه إلا محجمة واحدة ، حتى رد إليه يديه . ثم تكلم مع المحجمة الثانية ، ثم ثاب « 13 » إليه عقله قبل فراغ الحجام من حجامته ، ثم طعم بعد ذلك ، ثم دعا بأم أسماء بنت المهدى فواقعها ، فأحبلها بأسماء . قال " يوسف " : ولما اشتدت بإبراهيم بن المهدى علته التي توفى فيها ، استرخى لحيه ، وغلظ لسانه في فيه فصعب عليه الكلام ، وكان إذا تكلم توهم سامعه « 14 » مفلوجا . وقد دعاني وقت صلاة العصر من يوم الثلاثاء ، لست خلون من شهر رمضان ، سنة أربع وعشرين ومائتين ، فقال لي : أما تعجب من عرض هذه العلة ، التي لم تعرض لأحد من ولد أبى ، غير " إسماعيل بن موسى " أمير المؤمنين ، و " محمد بن صالح " المسكين . وإنما عرضت لمحمد ؛ لأن أمه كانت رومية ، وأم أبيه كانت كذلك ، وكانت أم إسماعيل رومية « 15 » ، وأنا فلم تلدني رومية ، فما العلة عندك في عرض هذه العلة لي ؟ . فعلمت أنه كان حفظ عن أمه قول " عيسى أبى
--> ( 1 ) في ج ، د : " بي وأنا " . ( 2 ) الربذة : قرية من قرى المدينة المنورة ، على بعد ثلاثة أيام منها ، على طريق الحجاز إلى مكة ، وقيل : سميت بالربذة من الشدة والضيق ، وكانت قد خربت بسبب القرامطة الذين تسببوا في هروب أهلها منها ؛ فخربت ، وكان الصحابي الجليل " أبو ذر الغفاري " ، رضي الله عنه ، قد سكن بها بعد أن غضب من أمير المؤمنين " عثمان بن عفان " ، رضي الله عنه ، وظل بها إلى أن توفى سنة 32 ه ، وينسب إليها من العلماء : أبو " عبد العزيز موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي " وأخواه " محمد " ، و " عبد الله " ، وغيرهم . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 3 / 27 . ( 3 ) في أ : " فكرته " ، والمثبت من ج ، د . ( 4 ) ساقط في أ ، والمثبت من ج ، د . ( 5 ) في ج ، د : " الذي " . ( 6 ) في أ : " صيرها " ، والمثبت من ج ، د . ( 7 ) في أ : " يحضرها " ، والمثبت من ج ، د . ( 8 ) في د : " فخرج " . ( 9 ) الفالج : استرخاء عام لأحد شقى البدن طولا ، وكذلك يبطل الإحساس في العضو المصاب ، ويصير كالميت . انظر : التنوير للحسن بن نوح للقمرى : 18 . ( 10 ) في طبعة مولر : " الصقلبيات " . ( 11 ) في ج ، د : " من أشباههن " . ( 12 ) إضافة من ج ، د . ( 13 ) في ج ، د : " رجع " . ( 14 ) في د : " سامعا " . ( 15 ) في ج ، د : " كذلك رومية " .