ابن أبي أصيبعة
50
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
واتفق أن " الصاحب ابن عباد " « 1 » عرض له مرض صعب في معدته ، فكاتب " عضد الدولة " يلتمس طبيبا ، وكان عمله وعلمه « 2 » وفضله مشهورا ؛ فأمر " عضد الدولة " بجمع الأطباء البغداديين ، وغيرهم ، وشاورهم فيمن يصلح أن « 3 » ينفذ إليه . فلما جمعهم واستشارهم ، فأشار جميع الأطباء ، على سبيل الإبعاد « 4 » له من بينهم ، وحسدا على « تقدمه » « 5 » ، ما يصلح أن يلقى مثل ذلك الرجل إلا أبو عيسى " جبريل " ؛ لأنه متكلم جيد الحجة ، عالم باللغة الفارسية . فوقع ذلك بوفاق " عضد الدولة " ، فأطلق له ما لا أصلح به أمره وحمل إليه مركوب جميل ، وبغال للحمل ، وسيره ، فلما وصل ( الري ) « 6 » تلقاه الصاحب لقاء جميلا ، وأنزله في دار مزاحة العلل بفراش وطباخ وخازن ووكيل وبواب وغيره . ولما أقام عنده أسبوعا ، استدعاه يوما ، وقد أعد عنده أهل العلم من أصناف العلوم ، ورتب لمناظرته إنسانا من أهل ( الري ) ، وقد قرأ طرفا من الطب . فسأله عن أشياء من أمر النبض ، فعلم ما هو الغرض في ذلك . فبدأ وشرح أكثر مما تحتمله المسألة ، وعلل تعليلات لم يكن في الجماعة من سمع بها ، وأورد شكوكا ملاحا وحلها . فلم يكن في الحضور « 7 » إلا من أكرمه وعظمه ، وخلع عليه " الصاحب " خلعا حسنة ، وسأله أن يعمل له كناشا يختص بذكر الأمراض التي تعرض من الرأس إلى القدم ولا يخلط بها غيرها . فعمل كناشه الصغير ، وهو مقصور على ذكر الأمراض العارضة من الرأس إلى القدم حسبما « أمر » « 8 » " الصاحب " به . وحمله إليه ؛ " فحسن موقعه عنده " « 9 » ، ووصله بشئ قيمته ألف دينار ، وكان دائما يقول : صنفت « مائتي » « 10 » ورقة أخذت عنها ألف دينار . ورفع « خبره » « 11 » إلى " عضد الدولة " فأعجب به ، وزاد موضعه عنده ، فلما عاد من ( الري ) دخل إلى ( بغداد ) بزى جميل ، وأمر مطاع ، وغلمان وحشم وخدم ، وصادفه من " عضد الدولة " ما يسره ويختاره .
--> ( 1 ) هو أبو القاسم " إسماعيل بن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني " ، وزير مؤيد الدولة ، كان عالما أديبا وكاتبا ماهرا ، وكان يسمع الحديث من " أبى محمد بن فارس " ، و " أحمد بن كامل " القاضي ، وروى عنه العديد من العلماء ، منهم : " أبو العلاء محمد بن حسول " ، و " عبد الملك بن علي الرازي " ، و " أبو الطيب الطبري " ، و " أبو بكر بن المقرئ " ، وغيرهم ، وكان شيعي المذهب ، صاحب بدع واعتزال ، وكان يصحب " أبا الفضل بن العميد " ، له من الكتب : كتاب " الوزراء " ، وكتاب " الكشف عن مساوئ شعر المتنبي " ، وكتاب " الأسماء الحسنى " ، وكتاب " الكافي " ، وغيرها . وكانت وفاته سنة 385 ه ، وعمره 59 سنة . انظر في ترجمته : يتيمة الدهر للثعالبي : 3 / 188 ، وفيات الأعيان لابن خلكان : 1 / 228 ، معجم الأدباء لياقوت الحموي : 6 / 168 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 16 / 511 . ( 2 ) في ج ، د : " وفعله " . ( 3 ) ساقط في ج ، د . ( 4 ) في ج ، د : " الاستبعاد " . ( 5 ) في أ : " مقدمه " ، والمثبت من ج ، د . ( 6 ) الري : مدينة بفارس ، بالقرب من نيسابور وقزوين ، كثيرة البناء والبساتين ، فتحها " عروة بن زيد الخيل " في عهد " عمر بن الخطاب " ، رضي الله عنه ، سنة 20 ه ، وقام " المهدى " بإقامة خندقا حولها ، ومسجدا ، وأحاطها بسورتم عمله سنة 158 ه . وينسب إليها من العلماء : أبو بكر محمد بن زكريا الرازي ، و " عبد الرحمن بن محمد بن إدريس " ، و " ابن أبي حاتم الرازي " ، و " فخر الدين الرازي " ، وغيرهم . انظر : الروض المعطار للحميري : 278 ، 279 معجم البلدان لياقوت الحموي : 3 / 116 . ( 7 ) في ج ، د : " الحاضرين " . ( 8 ) في أ : " أمره " ، والمثبت من ج ، د . ( 9 ) في ج ، د : " فوقع عنده موقعا حسنا " . ( 10 ) في أ : " بمائى " ، والمثبت من ج ، د . ( 11 ) في أ : " غيره " ، والمثبت من ج ، د .